هل يصمد الاتفاق الليبي لتوحيد الإنفاق برعاية أميركية
87 مشاهدة
أكد رئيس اللجنة المالية بالمجلس الأعلى للدولة عبد الجليل الشاوش الذي مثل مجلس الدولة في توقيع الاتفاق التنموي الموحد أن جوهر الاتفاق ينصب على تنظيم الإنفاق في الباب الثالث من الميزانية وهو بند التنمية الذي كان محل نزاع طيلة السنوات الماضية فمجلس النواب يعتبر أن الحكومة المكلفة منه هي الجهة الشرعية لتنفيذ الميزانية بعد أن سحب الثقة من حكومة الوحدة الوطنية بينما الأخيرة هي المعترف بها دوليا حسب الشاوش وأضاف في حديث لـالعربي الجديد أن التفاهمات انتهت إلى تحديد سقف هذا البند بنحو 40 مليار دينار على أن يتولى المصرف المركزي عملية التسييل والرقابة على أوجه الصرف لافتا إلى أن من أبرز ما تحقق خلال المفاوضات التزام الأجهزة التنفيذية للتنمية في شرق البلاد بعدم اللجوء إلى الاقتراض من المصارف التجارية دون موافقة مسبقة من المصرف تفاديا لترتيب دين عام على الدولة ويأتي ذلك في إشارة إلى الدين العام الذي تسبب فيه جهاز التنمية وإعادة الإعمار الذي يقوده بلقاسم حفتر الذي يشغل منصب مدير صندوق إعادة إعمار ليبيا بقرار من مجلس النواب والمقدر بنحو 300 مليار دينار خلال السنوات الماضية نتيجة اقتراضه من المصارف التجارية الواقعة مقارها في شرق البلاد كما ذكر الشاوش أن الاتفاق نص على تشكيل لجنة فنية مشتركة من مختلف الأطراف تتولى دراسة المشاريع التنموية وتحديد أولوياتها وتوزيع مخصصاتها وفق احتياجات كل منطقة وبعد جولة مفاوضات بين ممثلين لسلطتي شرق وغرب البلاد استمرت عدة أيام في العاصمة تونس وبرعاية الولايات المتحدة الأميركية أعلن مصرف ليبيا المركزي أول من أمس توقيع ممثلي مجلس النواب والمجلس الأعلى للدولة ملحق الاتفاق التنموي الموحد في خطوة وصفت بأنها مفصلية على طريق توحيد السياسة المالية في البلاد بعد أكثر من 13 عاما من الانقسام ولقي الإعلان ترحيبا واسعا من مختلف المؤسسات السياسية إذ اعتبر رئيس حكومة الوحدة الوطنية عبد الحميد الدبيبة أن الاتفاق في حال التزام الأطراف بتنفيذه من شأنه إنهاء حالة الانقسام المالي التي أثرت مباشرة على الاقتصاد الوطني مشيرا إلى انعكاساته المحتملة على استقرار الأسعار وتعزيز قيمة الدينار الليبي في المقابل أبدى رئيس الحكومة المكلفة من مجلس النواب أسامة حماد موقفا متقاربا في مؤشر على تقارب نسبي بين الحكومتين في الملف المالي كما رحب رئيس مجلس النواب عقيلة صالح بالاتفاق معتبرا أنه خطوة أساسية نحو توحيد الإنفاق العام وتعزيز الاستقرار المالي فيما شدد رئيس المجلس الرئاسي محمد المنفي في بيان ترحيبي على أن نجاح الاتفاق يظل رهينا بالتنفيذ الدقيق خاصة في ما يتعلق بضبط الإنفاق ضمن حدود الإيرادات وحماية الاحتياطيات النقدية وفي سياق المتابعة الدولية وصف مستشار الرئيس الأميركي مسعد بولس الاتفاق بأنه محطة تاريخية مشيرا إلى أنه يأتي ضمن جهود أميركية ممتدة لتقريب وجهات النظر بين الأطراف الليبية ورغم هذا الزخم الإيجابي تبرز في المقابل مؤشرات توتر داخل معسكر شرق ليبيا وتحديدا بين أبناء خليفة حفتر ما دفع مراقبين إلى عدم التفاؤل حيال إمكانية تنفيذ الاتفاق وقبيل بدء اجتماعات تونس يوم الاثنين قبل الماضي التي مثلت فيها قيادة حفتر شخصيات مقربة من صدام أصدر شقيقه بلقاسم بيانا رفض فيه مخرجاتها معتبرا أن المشاركين لا يمثلونه كما هاجم شقيقه الآخر خالد الذي يتولى منصب رئيس الأركان العامة لقيادة والده تلك الاجتماعات واعتبرها مقترحات خارجة عن إطار الشرعية تهدف إلى إطالة أمد الأزمة وتكريس الفساد أما صدام الذي يتبعه المفاوضون الممثلون لقيادة والده في اجتماعات تونس فقد نشر بيانا أوضح فيه أنه أجرى اتصالا بمستشار الرئيس الأميركي مسعد بولس وناقشا التقدم المحرز في تنفيذ الاتفاق التنموي الموحد في إشارة إلى تحديه لشقيقه وإصراره على المضي في الاتفاق وفي هذا السياق يرى الأكاديمي وأستاذ التمويل والمصارف رجب بورويص أن هذه التباينات التي تعكس تنافسا على مواقع النفوذ بين أبناء حفتر قد تنعكس سلبا في الأيام المقبلة على الاتفاق مشيرا إلى أن ما يبدو توازنا ظاهريا قد يخفي تنافسا حقيقيا على إدارة موارد التنمية وهو ما قد يعيد إنتاج الانقسام ولكن بصيغة مالية ويؤكد بورويص في حديثه لـالعربي الجديد أن الصراع سينتقل إلى مرحلة أكثر تعقيدا وتحديدا حول أدوات تنفيذ الإنفاق في ظل تعدد الأجهزة التنفيذية المعنية بالتنمية لافتا إلى أن جهاز بلقاسم حفتر المعروف باسم جهاز التنمية وإعادة الإعمار ليس الوحيد الذي ينفذ برامج التنمية في شرق البلاد إذ برز إلى جانبه جهاز التنمية الوطني بقيادة صدام حفتر الذي بدأ يدير مشاريع كبرى في سرت ومناطق الجنوب ما يعكس ازدواجية محتملة في إدارة الموارد ويطرح بورويص تساؤلات حول الجهة التي ستتولى فعليا تنفيذ مخصصات التنمية في شرق البلاد مشيرا إلى إمكانية عودة الخلافات بين الشرق والغرب في ظل ارتهان تنفيذ الاتفاق للجنة فنية مشتركة ستحدد حصص كل طرف وهو ما قد لا يكون مهمة سهلة في ظل تعدد مراكز القوة ويرى بورويص أن الاتفاق يمثل خطوة غير مسبوقة نحو توحيد السياسة المالية مشيرا إلى أنه قد يسهم في كبح الازدواج المالي الذي أدى إلى تضخم الإنفاق واستنزاف الاحتياطيات كما يعزز كفاءة توزيع الموارد عبر ربط الإنفاق بالإيرادات الفعلية ويعيد قدرا من الثقة إلى الاقتصاد بما قد ينعكس إيجابا على سعر صرف الدينار ويخفف الضغوط التضخمية غير أن هذه المكاسب وفقا لبورويص تظل مشروطة بقدرة المصرف المركزي على فرض رقابة فعلية على جميع قنوات الإنفاق وهو تحد كبير في ظل الانقسام المؤسسي القائم كما أن بناء تقديرات الميزانية على إيرادات النفط يظل رهينا بتقلبات الأسعار العالمية ما يضيف عنصرا من عدم اليقين إلى الاستدامة المالية وفي البعد السياسي يلفت بورويص إلى أن الدور الأميركي يعكس سعيا دوليا لاستخدام المسار الاقتصادي مدخلا لإعادة الاستقرار إلا أنه يؤكد أن الانخراط الأميركي يبقى محكوما بحسابات المصالح فاستقرار ليبيا يمثل أولوية لواشنطن لكن ذلك لا يعني بالضرورة ضمان التزام كامل من الأطراف المحلية بمعايير الشفافية خاصة في ظل غياب سلطة تنفيذية موحدة قادرة على فرض الانضباط