لأسباب تاريخية وراهنة تبدو سورية دولة وشعبا أنموذجا للنزعات اللاوطنية أو المضادة للتوجهات الوطنية وأظن وأرجح أنه ينبغي لها أن تحتل المركز الأول أو أحد المراكز المتقدمة جدا في هذا الخصوص لفترة طويلة ولا يختص الأمر بجماعة إثنية أو دينية أو طائفية أو حزبية معينة بل يبدو أن الأمر شائع عند جميع الجماعات بدرجات متفاوتة وفقا للأوضاع والسياقات المختلفة وعلى الرغم من أن مفهوم الوطنية مفهوم معياري يتضمن عادة عددا من السمات الإيجابية المحبذة من منظور كثيرين فمن الضروري تعليق الأحكام المعيارية المسبقة التي تعلي من شأن الوطنية وتحقر الاتجاهات المختلفة عنها أو المخالفة أو المضادة لها فقد تعلم السوريون بأثمان باهظة ما تشير إليه الدراسات الفكرية الأكاديمية يمكن للوطنية في الحياة السياسية الفعلية أن تكون معولا للاستبداد ومؤسسة للقمع والقهر وصنوا للأحادية المركزية الإقصائية والاختزالية ربما كان الاتجاه العروبي هو النقيض الأكبر للوطنية السورية فهو أو كان الاتجاه الحزبي والشعبي الأقوى والذي كان سمة للحياة السياسية السورية في طوريها الديمقراطي والاستبدادي والاتجاه الأيديولوجي الحاضر لدرجة أو لأخرى في معظم التيارات الحزبية والسياسية في سورية منذ الاستقلال وقبله أيضا وسورية كانت قلب العروبة النابض وعقلها المفكر والمنبع الأساسي لكل التيارات القومية العروبية كما قال جمال عبد الناصر وباتريك سيل محقين والاتجاه العروبي كان روح سورية و معظم السوريات والسوريين وأحد أسباب مقتل الوطنية السورية أو نشأتها المشبوهة وتاريخها الأسود ولا يعترف الاتجاه العروبي بسورية وطنا لجميع السوريين بل يراها مجرد قطر من أمة أكبر هي الأمة العربية التي ينبغي السعي إلى تحقيق وحدتها السياسية بكل الطرق المشروعة الممكنة وانطلاقا من ذلك لم يكن هناك غالبا تبن رسمي حقيقي للوطنية السورية بل إن محاولة السير باتجاه قيام تلك الوطنية كانت تعني من وجهة نظر العروبيين نزوعا قطريا مدانا من حيث المبدأ ومن حيث الفعل معا ولعل أبرز الأحداث الدالة على استهانة السوريين بدولتهم وبالوطنية السورية يتمثل في موقفهم الفريد والعجيب من الوحدة مع مصر عام 1958 فلم يحدث في التاريخ الحديث أن هرع معظم أفراد النخبة السياسية والعسكرية إلى بلد آخر لاستجداء زوال دولتهم وضمها إلى دولة أخرى تحت اسم الوحدة العربية ولم يكن ذلك الفعل الشاذ أو الاستثنائي مجرد فعل نخبوي بل كان مسودا بتأييد شعبي كبير أيضا وعلى هذا الأساس يمكن الاختلاف مع بعض أهم أطروحات المفكر العربي عزمي بشارة في كتابه المهم في المسألة العربية فالعروبة قد لا تكون صمغا جامعا بين أفراد الدولة الواحدة في العالم العربي بل عاملا من عوامل التفكك والانقسام وعرقلة قيام أو استمرار الدولة الوطنية ومن الصعب الحكم بفشل محاولات قيام الدولة الوطنية في العالم العربي لأن مثل هذه المحاولات لم يكن لها وجود أصلا في بعض الدول وسورية من أبرز هذه الدول ويمكن وينبغي للاتجاه الوطني أن يتأسس على ما هو مغاير للعروبة الثقافية وهذا ما ينبغي فعله في بعض السياقات ومنها السياق السوري لا يعترف الاتجاه العروبي بسورية وطنا لجميع السوريين بل يراها مجرد قطر من أمة أكبر هي الأمة العربية بالتوازي مع الاتجاه العروبي أو بالتضاد معه ورد الفعل عليه ثمة اتجاه كردوي سوري لا ينظر إلى بعض المناطق السورية إلا بوصفها روج أفا أو كردستان الغربية أو غرب كردستان وعلى الرغم من التضاد والتناحر الظاهري والفعلي بين الاتجاهين العروبي والكردوي فإنهما يتشاركان في الكثير من السمات المشتركة وأهمها كونهما مضادين ومعاديين للوطنية السورية التي ترى وجوب أن تكون سورية بحدودها الحالية وطنا لجميع السوريات والسوريين بعيدا عن أي طموحات أو خطط أو مخططات سياسية عابرة لحدود الدولة أو الدول وقد يظن أن التوجه القومي السياسي للحزب السوري القومي الاجتماعي توجه وطني سوري بسبب أنه يتحدث عن قومية سورية وعلى الرغم من التضاد الممكن والفعلي بين التوجهين القومي والوطني لكن ذلك الظن الآمل يتبدد عند معرفة أن الأمة السورية من منظور أنطون سعادة مؤسس ذلك الحزب والمنظر الأكبر أو الوحيد تقريبا فيه هي وحدة الشعب الذي استقر على أرض سورية الطبيعية وهي تشمل الهلال الخصيب بما فيه فلسطين وكيليكيا وقبرص وسيناء فمثله مثل أنصار التوجهين العروبي والكردوي لا يرى سعادة وحزبه في سورية سوى جزء من وطن أكبر يتجاوز حدودها الحالية وقد رفض حزب سعادة منذ تأسيسه عام 1932 الحدود القائمة التي رسمت بعد الحرب العالمية الأولى نتيجة اتفاقيات سايكس بيكو 1916 وتبنى مشروع إعادة توحيد سورية الطبيعية لم تكن الاتجاهات التقسيمية الانفصالية غائبة غيابا مطلقا في السياق السوري سابقا لكن حضورها أصبح أقوى في الوقت الراهن وثمة الكثير من الأمثلة التي يمكن إضافتها إلى التوجهات الثلاثة السابقة التوجهات العروبية والكردوية والقومية السورية ولضيق المجال في السياق الحالي ولأسباب أخرى لم أذكر التوجهات السياسية الدينية الإسلامية لكن من الضروري الانتباه إلى أن ما سبق ذكره وغيره يبين أن الاتجاهات اللاوطنية أو المضادة للوطنية السورية لم تكن بالدرجة الأولى اتجاهات دينية إسلامية كما يظن أو يزعم كثيرون بل كانت اتجاهات قومية أو إثنية تتبنى أيديولوجيات تسعى إلى تجاوز حدود سورية الحالية لتكون جزءا من كل أكبر منها والطريف والجدير ذكره في هذا الخصوص أن الإسلام الجهادي ممثلا بما كان يسمى جبهة النصرة قد تخلى في عام 2016 عن التوجه الجهادي العالمي وحصر عمله أو نشاطه في أرض سورية الشام الحالية ولم يعد يتحدث عن طموحات سياسية لتشكيل أمة إسلامية واحدة في دولة واحدة والمثير أو اللافت للانتباه في الواقع السوري الراهن أن الاتجاهات اللاوطنية أو المضادة للوطنية السورية لم تعد غالبا اتجاهات ما فوق الدولة أي اتجاهات تريد ضم سورية أو جزء منها إلى كيانات أكبر منها بل أصبحت اتجاهات تقسيمية انفصالية تريد فصل جزء من سورية الحالية أو تقسيمها إلى كيانات سياسية مستقلة عن بعضها البعض ولم تكن الاتجاهات التقسيمية الانفصالية غائبة غيابا مطلقا في السياق السوري سابقا لكن حضورها أصبح أقوى في الوقت الراهن حيث تتعالى دعوات الانفصال عن سورية وإنشاء كيانات مستقلة من أطراف متعددة ولعل أبرز تلك الدعوات في الفترة الحالية تلك الصادرة عن الشيخ الهجري وأخريات وآخرين في السويداء السورية وهكذا تتذبذب الاتجاهات السياسية المضادة للوطنية بين الرغبة في ذوبان سورية في كيان أو كيانات سياسية أكبر والرغبة في تقسيمها إلى كيانات سياسية أصغر وسأناقش في التدوينة القادمة رؤى أصحاب الوعي السوري الشقي من أنصار الاتجاهات التقسيمية الانفصالية الراهنة والحجج أو المحاجات التي يقدمونها أو يقدمها غيرهم في عد الاتجاه الوطني أو اللاوطني اتجاها حالما وواهما وغير واقعي في السياق السوري الراهن على الأقل