حين لا يرتجف الإنسان اضطراب ما بعد الصدمة المعقد ومعنى الإنسانية في الحروب الممتدة
31 مشاهدة

صدى الساحل - بقلم د . أصيل الظاهري*
تُظهر كثير من المقاطع المصوّرة القادمة من مناطق الحروب أناسًا يقفون أو يتحدثون بهدوء بينما تقع الانفجارات على مقربة منهم. وغالبًا ما يُفسَّر هذا المشهد في الخطاب الإعلامي بوصفه دليلًا على شجاعة استثنائية أو تماسك نفسي فريد. غير أن هذا التفسير، رغم شيوعه، يغفل حقيقة نفسية أكثر تعقيدًا وأشد قسوة. فمن منظور الطب النفسي، لا يُعبّر هذا الهدوء الظاهري في كثير من الأحيان عن شجاعة بقدر ما يعكس أثر التعرض المزمن للصدمة، وتحديدًا ما يُعرف باضطراب ما بعد الصدمة المعقّد، حيث لا تعود الصدمة حدثًا عابرًا يمكن تجاوزه، بل تتحول إلى سياق دائم للحياة. في التصور الكلاسيكي لاضطراب ما بعد الصدمة، تكون الصدمة حدثًا محددًا في الزمن، كحادث أو اعتداء أو كارثة، يعقبه انتقال – كلي أو جزئي – إلى بيئة أكثر أمانًا، ويكون الصراع النفسي قائمًا بين ذاكرة الحدث الصادم والحاضر الذي لم يعد مهدِّدًا بالدرجة نفسها. أما في الحروب الممتدة، فإن هذا النموذج يفقد صلاحيته، إذ يصبح العنف متكررًا، غير متوقّع، ويفتقر إلى نهاية واضحة. في مثل هذه الظروف، لا يعيش الإنسان بعد الصدمة، بل يعيش داخلها، حيث تتحول من استثناء إلى بنية يومية تُعيد تشكيل النفس بشكل عميق وبطيء. أحد أبرز مظاهر هذا التحول هو ما يُعرف بالتبلّد العاطفي، وهو سمة مركزية في اضطراب ما بعد الصدمة المعقّد. هذا التبلّد لا يعني اختفاء الخوف، بل يشير إلى قيام الجهاز العصبي بتقليص الاستجابة الانفعالية كآلية دفاعية في مواجهة تهديد مستمر لا يمكن السيطرة عليه. فعندما يصبح الخطر دائمًا، يفقد الخوف وظيفته الوقائية، ويتحول إلى عبء نفسي غير قابل للتحمّل. عندها، تنتقل النفس من أنماط الاستجابة النشطة، كالكرّ أو الفرّ، إلى حالات أكثر خمودًا مثل التجمّد أو الإغلاق النفسي، ليس بوصفه تعافيًا أو تماسكًا، بل كوسيلة لتفادي الانهيار الكامل. مع استمرار هذا النمط من التكيّف، تبدأ القيمة النفسية للحياة بالتآكل. تشير الأدبيات السريرية إلى أن الأفراد الذين يتعرضون لصدمات مزمنة يُظهرونارسال الخبر الى: