الإسكندرية التي نحتفل بعيدها هل تنجو المدينة من غضب البحر
بين مياه المتوسط الفيروزية وطموح فاتحٍ أراد تخليد اسمه في صفحات التاريخ، وُلدت مدينة الإسكندرية. من قرية راقودة الصغيرة للصيادين، وبأمرٍ من الإسكندر الأكبر، أصبحت هذه البقعة إحدى أهم حواضر البحر المتوسط. إحياءً لتلك الذكرى، شهد الجمعة الماضي، 24 إبريل/ نيسان 2026 احتفالات رسمية تحت شعار مولد مدينة عالمية. لم تكن هذه الفعاليات مجرد احتفاء بتأسيسها، بل محاولة لاستعادة روح الإسكندرية التي صهرت الثقافات في بوتقة واحدة؛ حيث تلاقت الذاكرة التاريخية بالإبداع المعاصر، لتعلن أن المدينة التي ولدت كحلمٍ إمبراطوري ما زال يفيض سحرها، فهل يمكننا حقاً فصل سحر المدينة وعبقها التاريخي عن فعل الغزو الذي كان سبباً في وجودها؟
إكليل غارٍ لأكبر غازٍ في التاريخ
خلافاً لما تتركه الغزوات من أطلال، انبعث إرث الإسكندر الأكبر في مصر بوصفه فعل تعمير أراد به تشييد عاصمةٍ للعالم، ومنارة يتماهى فيها سطوع العلم بفلسفة الجمال. في ردهات الإسكندرية، هندس إقليدس قوانين الوجود، واستلهم أرشميدس أسرار الفيزياء، ومن سمائها رسم بطليموس أولى خرائط الكون. وفي مشافيها، شرّح هيروفيلوس خبايا الجسد، بينما كانت هيباتيا بذكائها الوقّاد آخر حراس الفلسفة والرياضيات في العصر القديم.
هل يمكن فصل سحر المدينة عن فعل الغزو الذي تسبّب بوجودها؟
وعلى أرصفة المدينة، اكتمل مثلث الأدب العالمي؛ فمن حي العطارين صاغ كفافيس مراثيه للتاريخ، وفي أزقتها وضع فورستر دليله الوجداني، ومن شمس موقف محرم بك استلهم أونغاريتي إيقاعات شعره الحديث. في الاحتفال الرسمي، سار الموكب بأزيائه التقليدية الزاهية رافعاً علم الإسكندرية نحو ساعة الزهور، ليوضَع إكليل من الوفاء أمام تمثال مؤسسها؛ الذي غرس قبل آلاف السنين بذرة التلاقح بين الأمم.
الذاكرة وغواية الصورة
في ساحة مكتبة الإسكندرية، تماوجت الأجساد على إيقاع يا أجدع ناس وعلى شط بحر الهوى، لتتجسد الذاكرة بصرياً في فساتين الفتيات الحمراء والملاية اللف السكندرية؛ محاكيةً وصف إدوار الخراط في روايته يا بنات إسكندرية: غوايات قائمة لا تنتهي ومحبات لا تبيد. بدت المدينة أنثى مراوغة، فاتنة وعصية على الترويض، في عيون بناتها زرقة المتوسط، وفي كبريائهن
ارسال الخبر الى: