تمثل كوبا اليوم مجرد نموذج آخر للتوحش في السياسة الخارجية الأميركية القائمة على الإخضاع عبر الحصار والتجويع وقطع الإمدادات الإنسانية عن السكان المدنيين وصولا إلى العدوان العسكري والحرب في حال صمد طرف ما أمام ابتزاز واشنطن وبلطجتها كلنا يذكر حصار العراق الوحشي 13 عاما 1990 2003 على خلفية غزو نظام الرئيس الراحل صدام حسين الكويت لم تكتف الولايات المتحدة بتحرير الكويت وتدمير الجيش العراقي والعراق نفسه عام 1991 بل إنها حرصت على حرمان المدنيين العراقيين من الغذاء والدواء وكثير من مستلزمات الحياة مثل المعدات الطبية والتكنولوجيا ما سبب وفاة أكثر من مليون ونصف المليون عراقي وعندما سئلت وزيرة الخارجية الأميركية مادلين أولبرايت 1997 2001 حين كانت سفيرة بلادها لدى الأمم المتحدة عام 1996 ماذا إذا كان موت نصف مليون طفل عراقي جراء الحصار ثمنا يستحق أجابت بكل وقاحة ولؤم أعتقد أن ذلك خيار صعب جدا ولكننا نعتقد أن الثمن يستحق ذلك واليوم وإدارة ترامب تعمل لخنق كوبا وشعبها تجتر نائبة جمهورية أميركية من أصول كوبية اسمها ماريا إلفيرا سالازار تصريحات أولبرايت غير مبالية بمعاناة أهلها من المدمر التفكير في جوع أم أو طفل يحتاج إلى مساعدة فورية لا أحد غير مبال بهذا الألم لكن هذا هو بالضبط المأزق القاسي الذي نواجهه نحن المنفيين هل نحل المعاناة قصيرة المدى أم نحرر كوبا إلى الأبد وتضيف هذه هي اللحظة لإيقاف كل شيء لا مزيد من السياحة لا مزيد من التحويلات المالية لا مزيد من الآليات التي تستمر في تمويل الديكتاتورية ودعمها ليس العراق وكوبا وحدهما من فرضت عليهما الولايات المتحدة حصارا دمر حياة مواطنيهما قطاع غزة كذلك خبر الحصار الأميركي منذ 2007 وذلك عندما دعمت واشنطن إسرائيل في خنق القطاع وسكانه على خلفية فوز حركة المقاومة الإسلامية حماس في الانتخابات التشريعية عام 2006 ثم سيطرتها لاحقا على غزة بعد صدامات مع أجهزة أمن السلطة الفلسطينية التابعة لحركة فتح كذلك فنزويلا خضعت لحصار أميركي سنوات طويلة وعندما صمد النظام الفنزويلي أمام البلطجة الأميركية كانت النتيجة عملية عسكرية خاطفة مطلع العام الجاري انتهت باختطاف الرئيس نيكولاس مادورو وزوجته من قلب العاصمة كاراكاس وسيطرة الولايات المتحدة عمليا على البلاد وثرواتها النفطية دعمت واشنطن إسرائيل في خنق قطاع غزة وسكانه وتاريخ الحصار والتجويع في الذهنية الأميركية بغرض الإخضاع والابتزاز قديم جدا يعود إلى بدايات تشكل الولايات المتحدة إذ خبره السكان الأصليون الذين يطلق عليهم زورا وبهتانا الهنود الحمر ضمن حملة الإبادة الثقافية المستمرة ضدهم بعد الإبادة المادية التي تعرضوا لها ومن تعبيرات التجويع الذي مارسه المستوطنون البيض والحكومة الأميركية ضد السكان الأصليين ما جرى في القرن التاسع عشر من حملة إبادة جماعية لـالبيسون الأميركي وهو من أنواع الجواميس وكان المصدر الرئيس لغذاء السكان الأصليين وبحسب المعطيات المتوافرة قتلت الحكومة والمستوطنون البيض عشرات الملايين من البيسون فانخفضت أعدادها من نحو 30 مليونا إلى 60 مليونا إلى أقل من ألف بحلول تسعينيات القرن التاسع عشر وذلك لإخضاع السكان الأصليين وإجبارهم على مغادرة أراضيهم والانتقال إلى محميات هي في حقيقتها معسكرات اعتقال جماعي عودة إلى كوبا ماضي الولايات المتحدة الأسود في سياق الابتزاز والإخضاع عبر حصار المدنيين وتجويعهم هو حاضرها منذ الثورة الكوبية الاشتراكية عام 1961 وواشنطن تعمل على تغيير النظام فيها وإذا كان النظام في هافانا تمتع بدعم سوفييتي حتى مطلع تسعينيات القرن الماضي فإنه يجد نفسه وحيدا اليوم بعد إسقاط نظام حليفه مادورو في فنزويلا التي كانت تزود كوبا بثلث احتياجاتها من النفط بأسعار تفضيلية أو ضمن منح مجانية وفي الأسابيع الماضية كثفت إدارة دونالد ترامب الضغوط على النظام الكوبي ليس لتغيير سلوكه وإنما بغرض إسقاطه كما قال وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو الذي أصر على أن الشيء الوحيد الذي ينوي مناقشته مع القيادة الكوبية موعد تخليها عن السلطة روبيو هذا هو نفسه من عائلة كوبية معارضة للحكم في هافانا لجأت قبل عقود إلى الولايات المتحدة وكان ترامب قد وقع أواخر الشهر الماضي يناير كانون الثاني أمرا تنفيذيا يهدد بفرض رسوم جمركية على أي دولة تدعم الحكومة الكوبية واتهم الأمر التنفيذي النظام الكوبي بأنه يشكل تهديدا غير عادي واستثنائي للولايات المتحدة بذريعة الاصطفاف مع دول معادية وجهات خبيثة واستضافة قدراتها العسكرية والاستخبارية بما في ذلك أكبر منشأة روسية لجمع الإشارات الاستخبارية خارج البلاد وكذلك توفير ملاذ آمن لجماعات مثل حزب الله و حماس وإثارة الفوضى من خلال نشر الأيديولوجيا الشيوعية ماضي الولايات المتحدة الأسود في سياق الابتزاز والإخضاع عبر حصار المدنيين وتجويعهم هو حاضرها وعلى خلفية التهديد الأميركي توقفت المكسيك التي تزود كوبا بـ44 من نفطها عن تصديره إليها وكانت قبل ذلك خسرت النفط الفنزويلي والنتيجة أن عشرة ملايين كوبي يعانون اليوم انقطاع الكهرباء وتعطل المستشفيات والمدارس عن العمل لساعات طويلة كما توقفت حركة مركبات الطوارئ وحركة البضائع جراء قلة الوقود ويجد الكوبيون أنفسهم أمام مجاعة محققة في ظل توقف الواردات الغذائية إليهم وعدم القدرة على تخزين الخضراوات والفواكه واللحوم وأي منتجات أخرى بسبب توقف المبردات عن العمل هذا كله بذريعة السعي إلى تحريرهم أميركيا للأسف لن تكون كوبا آخر حلقة في سلسلة الحصار والتجويع والخنق الأميركي فهي مجرد محطة آنية وجديدة سيتبعها غيرها ومعلوم أن إيران تخضع للعسف ذاته والتجبر الأميركي نفسه منذ 1979 بهدف إخضاعها وهي تتعرض اليوم لتهديدات بعدوان عسكري جديد إن لم تستسلم في مفاوضات برنامجها النووي وما وراءه وما دام العالم مرهونا للبلطجة الأميركية سنشهد ضحايا آخرين بذرائع شتى سواء إنسانية مزعومة أو أمنية مدعاة وما انتقال واشنطن إلى تهديد حلفاء لها كالأوروبيين بسبب جزيرة غرينلاند وكندا على خلفية اتفاقية التجارة مع الصين إلا جرس إنذار يشي بعصر أميركي أكثر توحشا خصوصا وهي تشعر بخطر تمدد المنافس الصيني