الأيدي اختلال الصورة وتناقض الأداء
في المواجهة الأولى مع الآخر، وفي أقصى الحالات الانفعالية، من الحب وحتى الموت، تحضر الأيدي وكأنها بوابة العبور نحو الحياة أو نحو نهاية الحكاية.
قالها طفلٌ مُعنَّف: اعتدت على صراخ أبي. في المرات الأولى غطيت أذنيَّ بيديَّ المذعورتَين، لكن بعد التعارف المتكرر والمديد مع عنفه، قرّرت إبقاء يديَّ طليقتين لردّ الأذى القادم. لم يعد الصوت ولا السمع مهمَّين؛ كان التركيز، من أجل الخلاص، متعلقاً دوماً بحركة اليد التي تواجهني، بانطلاقتها الأولى ووجهتها. حينها يختفي أبي تماماً من المشهد، وتصير يده كنايةً عنه واختزالاً لبطشه وعنفه.
تقول أمٌّ في اللحظة الأولى التي لامست فيها يداها جسد وليدها: أحببت يديَّ حينها، لأنهما ربطتاني بأمومتي المشتهاة. وتقول فتاة عاشقة إن اللحظة التي شرع فيها حبيبها ذراعيه لضمّها كانت لحظتها الأولى للانغماس في الحياة.
تختلّ الصورة باختلال الفعل. لا يمكنني اعتبار كل الأيدي متشابهة ومتسقة في الوظيفة البشرية لليدين. في أماكن الاحتجاز، تتثبت العيون على أيدي المحقق. يتذكر غالبية الموقوفين شكل أيدي المحققين ورجال الشرطة وحجمها، ولا يتذكرون عيونهم، ولا حتى لون بشرتهم.
في المطارات، تكون كل العيون معلقة على قبضة الموظف وهو يمسك بجواز السفر، وكأن تلك اللحظة هي شارة البدء لكل ما سيأتي.
يتغنى الشعراء بالعروق والأوردة الزرقاء النافرة على أيدي الفلاحات، وعلى أيدي البائعات في الأسواق الشعبية. يتغنون بتعبٍ قهري وجلدٍ جاف من شدة الاحتكاك وغياب الاهتمام، وينسون المتعبات أنفسهن! حينها تمتلك الصورة الأهمية القصوى، وتصير صاحبتها وكأنها مجرد أداة للعرض، وتتحول حكايات الشقاء المصوّرة إلى فرصة لنيل الجوائز الفنية، وتتحول الأيادي إلى توظيفات فنية ودعائية، وربما ربحية.
تختلّ الصورة باختلال الفعل. لا يمكن اعتبار كل الأيدي متشابهة ومتسقة في الوظيفة البشرية لليدين
يرفع الرجال أياديهم ليشرعوا في الرقص؛ أيادي مرفوعة لإعلان الفخر والفرح والحب، وللدعوة إلى تشابكها بفرح وسعادة، دعوة للرقص معاً، ودعوة لإعلان الرغبة بفرح مستمر. هي الأيدي ذاتها التي توضع على الزناد وتطلق الرصاص! تصفع الوجوه الخائفة لتبسط قوتها المطلقة، ولتعلن أن البقاء للأقوى، وأن الجميع في دائرة
ارسال الخبر الى: