الأمة بين رفع الكأس ورفع الرأس

يعيش العالم اليوم اهتمامات مختلفة، وانفصاماً مشهوداً في تحديد الأولويات. ففي الوقت الذي تتجه فيه أنظار الملايين من البشر نحو ملاعب كرة القدم، وتتسارع نبضات قلوب عشاق الرياضة حماساً وترقباً لـ «رفع الكأس» اللامع، نرى في الجانب الآخر من هذا العالم عشاقاً من طراز رفيع؛ وهم عشاق الحرية والكرامة الذين يخوضون غمار الموت والجهاد في سبيل «رفع رأس الأمة» عالياً في سماء المجد.
إن الفارق بين هذين المشهدين ليس فارقاً في الهوايات أو التسلية، بل هو هوة سحيقة وفارق جوهري في مستويات الوعي وبناء الأهداف الوجودية؛ فبينما يستنزف الرياضيون والمشجعون طاقاتهم ركضاً خلف كأس مصنوعة من الذهب الفاني، تسعى الشعوب الحرة والأبية لانتزاع كأس من نوع آخر؛ كأس العزة والكرامة الإنسانية، وكأس الحرية والسيادة الوطنية التي تُشترى بالدماء الزاكية ولا تخضع لمنطق البيع والشراء في أسواق التنازلات. وكما يترقب الملايين بشغف طفولي نتائج المباريات وصافرة الحكم، يترقب العالم بعين الحذر والوجل نتائج الصراعات والمفاوضات المصيرية والقرارات التاريخية، مفاوضات الحق مع الباطل، والمواجهة السياسية والعسكرية بين قوى الاستكبار العالمي ومحور الجهاد والمقاومة، والتي لا تحدد نتيجة لعبة، بل تحدد مصير ومستقبل وهوية المنطقة بأسرها للأجيال القادمة.
ولكي نضع النقاط على الحروف، نحن هنا لسنا ضد الرياضة كنشاط بدني، ولا نمنع أو نحرّم متابعة كرة القدم كنوع من التسلية والترويح المباح عن النفس، فالإسلام لم يكن يوماً ضد القوة أو الترفيه المنضبط. ولكن اللوم الحقيقي، والصرخة التي يجب أن تُدوى، تقع على ذلك الاهتمام المبالغ فيه، والضخ الإعلامي الممنهج الذي يحوّل التسلية إلى تخدير للعقول، وينسج للناس واقعاً افتراضياً ينسيهم واقعهم المرير ومآسيهم الحقيقية.
إنه لمن المحزن والمبكي معاً، أن تجد شاباً من أبناء هذه الأمة يحفظ عن ظهر قلب أدق التفاصيل الشخصية والمهنية عن حياة لاعب أجنبي، ويعرف خططه وتحركاته، بينما يقف عاجزاً ومجهلاً أمام أسماء قادة أمته الحقيقيين وشهدائها الأبرار، ناهيك عن تفاصيل سيرهم وبطولاتهم وتضحياتهم! أولئك الشهداء الذين لم يركضوا خلف الكرة، بل ركضوا نحو المنايا وتقدموا الخطوط لكي
ارسال الخبر الى: