الأزياء في المتاحف ليست منصة أنيقة لحدث عابر

54 مشاهدة
لم يعد حضور الأزياء في المتاحف حدثا استثنائيا بل تحول خلال السنوات الأخيرة إلى ظاهرة متنامية تعيد طرح أسئلة قديمة بصياغات جديدة فما الذي يحدث حين تدخل الموضة بكل ما تحمله من منطق السوق والنجومية إلى فضاء يفترض أنه مكرس للحفظ والتأمل أحدث تجليات هذا التحول كان عرض دار ديور للأزياء داخل متحف رودان في باريس ضمن أسبوع الموضة في باريس الذي أقيم بين 27 يناير كانون الثاني الماضي و1 فبراير شباط الحالي للعام الرابع على التوالي في مشهد يختصر هذا التداخل المتسارع بين المؤسسة المتحفية وصناعة الموضة لا تكمن دلالة الحدث في اسم الدار وحده بل في اختيار متحف مكرس لأحد أعمدة النحت الحديث ليكون مسرحا للعرض هنا لا يعود السؤال متعلقا بجماليات الأزياء بل بوظيفة المتحف نفسها وهل يمنح المتحف الموضة شرعية ثقافية جديدة أم أن الموضة بجاذبيتها الجماهيرية وقدرتها على صناعة الحدث تسحب المتحف إلى منطق الاستعراض شهدت معارض الأزياء داخل المتاحف تحولا لافتا في شكلها ووظيفتها فبعد أن كانت تقتصر على عرض القطع داخل خزائن مصحوبة بسرد تاريخي باتت اليوم تصمم بوصفها أحداثا احتفالية معارض مثل Alexander McQueen Savage Beauty أو معارض الأزياء السنوية في متحف متروبوليتان للفنون في نيويورك لم تكتف بعرض الأزياء بل أعادت صياغة تجربة المتحف نفسها خصوصا مع تزامنها مع حفل ميت غالا إذ تتلاشى الحدود الفاصلة بين المعرض والحدث الإعلامي في هذا السياق يبدو عرض ديور في متحف رودان امتدادا لمنطق يرى في المتحف منصة قابلة لإعادة التوظيف وليس مجرد فضاء محايد غير أن هذا التحول يضع المؤسسة المتحفية أمام اختبار صعب وهو الحفاظ على دورها الثقافي والمعرفي من دون أن تتحول إلى خلفية أنيقة لحدث عابر تكمن إحدى أكثر الإشكاليات تعقيدا في طبيعة الأزياء نفسها فهي من جهة قطع تصميم تحمل رؤية جمالية وتقنية ومن جهة أخرى منتج مرتبط بالموسم والسوق ودورة الاستهلاك فحين تدخل قطعة الأزياء إلى المتحف يفترض أن تنزع مؤقتا من سياقها التجاري ويعاد تقديمها بوصفها جزءا من تاريخ بصري واجتماعي غير أن هذا الفصل يظل هشا خصوصا عندما تكون القطع المعروضة مرتبطة بعلامات لا تزال فاعلة في السوق في هذه الحالة يتحول المتحف إلى مساحة توازن دقيقة بين القراءة النقدية والترويج غير المعلن وإلا باتت المؤسسة الثقافية نفسها جزءا من منظومة العرض والاستهلاك رغم هذه الالتباسات لا يمكن إنكار أن الأزياء تمتلك طاقة وثائقية كبيرة فالملابس لطالما كانت مرآة لتحولات المجتمع من علاقات الطبقة والجندر إلى مفاهيم العمل والسلطة والتمرد لهذا السبب سعت معارض حديثة في أوروبا وأميركا إلى تقديم الموضة بوصفها مادة تحليلية وليست مجرد استعراض بصري من خلال ربط التصميم بسياقه الاجتماعي والسياسي والاقتصادي وحين ينجح المتحف في بناء هذا السرد تتحول الأزياء إلى وثيقة بصرية قادرة على قراءة الزمن الذي أنتجها غير أن هذا النجاح يظل مشروطا بوجود مسافة نقدية واضحة تمنع اختزال الموضة في بريقها السريع ولا يمكن فصل هذا التحول عن تغير طبيعة الجمهور ذاته فزائر المتحف اليوم لم يعد متلقيا صامتا بل أمسى جمهورا بصريا نشطا يبحث عن التجربة القابلة للمشاركة والتوثيق في زمن وسائل التواصل الاجتماعي تصبح المعارض أحداثا تستهلك عبر الصورة وتغدو قطعة الملابس المعروضة مجرد خلفية أما المتحف فيصبح مجرد إطار رمزي يمنح التجربة شرعيتها الثقافية nbsp تعامل الأزياء في المتاحف بوصفها مادة أرشيفية كاملة الأهلية يضع هذا التحول المتاحف أمام تحد مزدوج إذ كيف تخاطب جمهورا جديدا اعتاد منطق الحدث من دون أن تفقد عمقها المعرفي وكيف توازن بين متطلبات الصورة السريعة وبناء سرد ثقافي في المتاحف الأوروبية كما في متحف فيكتوريا وألبرت في لندن تعامل الأزياء بوصفها مادة أرشيفية كاملة الأهلية تجمع وترمم وتدرس ضمن أقسام بحثية متخصصة وتعرض داخل سرديات تربط التصميم بالتاريخ والعمل والتحولات الاجتماعية على النقيض من ذلك لا تزال المؤسسات المتحفية العربية تتعامل مع الأزياء الحديثة إما بوصفها هامشا فولكلوريا أو تتجاهلها تماما لصالح الفنون الكلاسيكية هذه الفجوة لا تعكس اختلافا في القيمة الجمالية بل تعكس اختلافا في الوعي بدور المتحف نفسه هل هو حافظ لذاكرة الحياة اليومية وتحولاتها أم مجرد مخزن لرموز منزوعة من سياقها يفاقم هذا الوضع غياب أرشيف مؤسسي لتاريخ الأزياء العربية الحديثة فباستثناء مبادرات فردية ومجموعات خاصة لا توجد مؤسسات تحفظ هذا التاريخ البصري أو تدرسه بوصفه جزءا من الذاكرة الثقافية نتيجة لذلك تغيب الأزياء العربية عن المتاحف العالمية أو تقدم في إطار استشراقي يختزلها في الاختلاف وليس في الحداثة والتعقيد يبدو أن ظاهرة عروض الأزياء في المتاحف تكشف عن لحظة مفصلية في علاقة الثقافة بالسوق فالمتحف لم يعد خارج هذا التقاطع كما أن الموضة لم تعد تقف على هامش الثقافة غير أن هذا التداخل يظل محفوفا بالمخاطر إذا غابت المسافة النقدية وتحولت المؤسسة الثقافية إلى منصة عرض لا يتعلق الأمر هنا برفض دخول الأزياء إلى المتحف ولا بالاحتفاء غير المشروط بهذا الحضور بل بطرح السؤال الجوهري حول كيفية عرض الموضة ولماذا عندها فقط يمكن لقطعة الملابس أن تتجاوز كونها حدثا موسميا لتصبح وثيقة تستحق الحفظ والقراءة وإعادة التفكير

ارسال الخبر الى:

ورد هذا الخبر في موقع العربي الجديد لقراءة تفاصيل الخبر من مصدرة اضغط هنا

اخر اخبار اليمن مباشر من أهم المصادر الاخبارية تجدونها على الرابط اخبار اليمن الان

© 2016- 2026 يمن فايب | تصميم سعد باصالح