عن الأزمنة المحصورة بين النقرات الإيقاع في ألف عام
76 مشاهدة
مع الصفحات الأولى لكتاب عن الأزمنة المحصورة بين النقرات للناقد الموسيقي اللبناني فادي العبد الله سيدرك القارئ أن المؤلف اختار وجهة بحثية صعبة في موضوعها وفي سبل معالجتها وأنه قد بذل جهدا كبيرا سواء بسعيه خلف المعلومات المتناثرة في كتب تراثية متقادمة أو بعمله على وضع هذه المعلومات إلى جوار بعضها طلبا لصورة أوضح ورؤية أكمل ثم إتباع كل هذا البحث بجهد تحليلي يتسم بالجدية والعمق انشغل المؤلف بقصة الإيقاع كما سطرها أعلام وفلاسفة مثل صفي الدين الأرموي وأبو يوسف الكندي وإخوان الصفا والشيخ الرئيس ابن سينا وصولا إلى الشيخ عمر البطش الحلبي والشيخ درويش الحريري وكتابات كامل الخلعي وتقارير لجان مؤتمر الموسيقى العربية الأول في القاهرة عام 1932 nbsp طارد العبد الله ما وصفه بتمثلات الإيقاع تدوينا واستخلاصا وتنفيذا وتطورا عبر ما يقارب ألف عام يقع الكتاب الصادر عن دار الكتب خان بالقاهرة في 330 صفحة توزعت على ثلاثة فصول تناول أولها طرائق الفلاسفة الأوائل في التعامل مع المسألة الإيقاعية تنظيرا وتنفيذا وكيفيات التعبير عن الإيقاع في الكتابات العربية مع وقفة مطولة أمام إيقاع المخمس في الفصل الثاني من عن الأزمنة المحصورة تناول العلاقة بين الشعر والموسيقى وتحديدا بين العروض والإيقاع والفرضيات التي تناولت هذه العلاقة ومدى تأثير العروض في عمل الملحنين وفي الفصل الأخير رصد المؤلف رحلة تطور الألحان خلال قرون متعاقبة وما طرأ على القوالب والأشكال الموسيقية من تحول وتناول التغييرات التي طاولت الأبعاد الموسيقية وأثر ذلك على تعامل الملحنين مع الأجناس والمقامات خلص المؤلف إلى نتائج مهمة في مقدمتها أن الموسيقى الشرقية تتسم بحركية سريعة ولم تتوقف عن التطور السريع من خلال التغيير والإضافة والحذف وهو ما يرتب إعادة النظر في فكرة الأصالة أو الزمن المرجعي التي تفترض ثباتا موسيقيا وغنائيا موهوما وتخلق في الأذهان تصورات غير حقيقية عن الموسيقى في حقب مضت انشغل فادي العبد الله دائما بتفكيك الأساطير واختبار المقولات الفنية المستقرة واتسمت كتاباته بقدر عال من الجديةnbsp البحثية والصرامة التحليلية مع قدرة واضحة على التعبير عن معان مركبة وزوايا صعبة بصيغ محكمة وجامعة في الفصل الأول من الكتاب يرصد المؤلف مواقف أعلام الفلاسفة الموسيقيين من مسألة الضروب في عمومها ومدى امتلاك كل منهم نظرية عامة في الإيقاعات مستعرضا في ذلك أسماء من طبقة الكندي أو الفارابي أو ابن سينا أو إخوان الصفا قبل أن ينتقل إلى القسم الذي خصصه لطرائق تمثيل الإيقاع تدوينا وتنفيذا بدءا من القرن التاسع الميلادي وما طرأ على هذه الطرق من تطورات وطرائق قدماء الموسيقيين في التعبير عنها مثل ذكر بعضهم للنقرات مع إيضاح السكتات أو إيضاح النقرات من دون إشارة إلى السكتات ومدى استخدامهم التفاعيل العروضية في التعبير الإيقاعي وكتابة الدم والتك أو استخدام الأرقام للتعبير عن الزمن وصولا إلى القرن العشرين واستقرار التدوين بالنوتة الإفرنجية وضع المؤلف معايير واضحة وشروطا لا يمكن تجاوزها عند النظر في أي تمثيل إيقاعي وهي تحديد تقسيمات الإيقاع إلى أجزاء داخلية وتحديد عدد النقرات في كل جزء وطبيعة هذه النقرات شدة وخفوتا والسكتات الواردة بين النقرات وسرعة الوحدة الزمنية التي يجري عليها الإيقاع يكرس العبد الله بهذه الشروط لطريقته المعيارية التي يلمسها القارئ في كل أقسام الكتاب إذ يتوازى البحث الأفقي الواسع مع نظر منطقي نافذ إلى العمق ليسفر عن نتائج مقنعة يقبلها الناقد المعاصر بقدر كبير من الاطمئنان الإيقاع أوسع من أن يختزل في تفعيلات الشعر والعروض وفي وقفة بحثية مطولة استعرض المؤلف رحلة إيقاع المخمس 16 4 عبر القرون وكيف تعامل معه الموسيقيون من صفي الدين الأرموي 1216 1294 مرورا بقطب الدين الشيرازي ت 1311 والفقيه الحنبلي الموسيقي ابن كر ت nbsp 1357 وفتح الله بن شكر الله الشرواني ت 1486 مرورا بالتمثلات المختلفة لهذا الإيقاع في حقبة الدولة العثمانية وصولا إلى القرن العشرين وروايات المخمس المتباينة في الشكل التدويني والتنفيذي بين إسطنبول والشام والقاهرة وإيضاح الصيغ الحديثة التي واكبت مؤتمر عام 1932 مثل رواية البارون دير لانجيه والشيخ علي الدرويش في تقريرهما إلى المؤتمر وهي رواية تختلف اختلافا يسيرا اعتبره المؤلف زخرفيا عن رواية الشيخ عمر البطش الحلبي وانتهاء بما كان يعتمده معهد الموسيقى الشرقية في القاهرة وما أورده الموسيقي المصري كامل الخلعي أخذا عن الشيخ أبي خليل القباني الدمشقي يوضح المؤلف أن هذا التتبع الطولي لإيقاع المخمس ينتج فهما أعمق لتركيب الضروب الإيقاعية الطويلة وكيفية تحليلها إلى حقول إيقاعية أصغر تكشف الرحلة البحثية مع المخمس عن أن الإيقاعات المركبة والطويلة بقيت لقرون تمثل جانبا أساسيا من الموسيقى عند الفرس والأتراك والعرب لكن في الأزمنة المتأخرة تراجع حضور هذه الإيقاعات المعقدة لمصلحة أخرى أبسط وأسهل ويؤكد المؤلف أن هذا التوجه نحو التبسيط نتجت منه خسارة للثروة الإيقاعية الموروثة وفقدان معرفة طرائق التفاعل معها تلحينا واستماعا المخمس يكشف تاريخ الإيقاع بين الأرموي والقاهرة خصص المؤلف الفصل الثاني من عن الأزمة المحصورة لمناقشة علاقة الإيقاع الموسيقي بالعروض الشعري ومحاولات ربط الموسيقى بتفاعيل الخليل بن أحمد الفراهيدي ت 789 م والادعاء أن تلك الضروب يمكن توظيفها لشرح إيقاعات مختلفة مثل المربع أو النوخت على سبيل التمثيل يرى المؤلف أن الإيقاع الموسيقي أوسع من تفعيلات الشعر وأن النظام العروضي قاصر عن استيعاب الأساليب الإيقاعية ويرى أن محاولات الربط بين العروض والإيقاع تصدر غالبا في أوساط بعض الموسيقيين المشغولين بإحياء موسيقي من العصر الخديوي أو المتأثرين بالتنظير العثماني المتأخر ويلفت المؤلف الانتباه إلى أن هؤلاء الموسيقيين لم يطرحوا نظرية متماسكة يمكن تنزيلها على العلاقة العروضية الإيقاعية مع اتصافها بالاطراد وإمكانية تطبيقها من قبل آخرين ولأن الربط بين الإيقاع الموسيقي والعروض الشعري لا يستقيم من أي طريق ويفتقر إلى الاتساق والاطراد واتسم بالعشوائية والانخداع بالمتشابهات فقد رجح المؤلف أن تكون ما سماها أسبابا أيديولوجية وراء الإصرار على هذا الربط المتعسف حدد المؤلف ثلاثة أشكال مؤدلجة تدفع إلى اختلاق علاقة مطردة موهومة بين الإيقاع والعروض حدد المؤلف ثلاثة أشكال مؤدلجة تدفع إلى اختلاق علاقة مطردة موهومة بين الإيقاع والعروض أولها الرغبة السياسية في ربط الموسيقى باللغة ثم ربط الموسيقى العربية بالفصاحة العربية إعلاء لشأن الهوية ورفض التهجين والتأثر بموسيقات أخرى وثانيها الإعجاب الشديد بأسماء الأعلام الأقدمين وكتبهم والتمسح بهالاتهم وببعض إشاراتهم إلى الإيقاعات ومقارنتها ببعض الأشكال العروضية مع الغفلة عن كون التشابه لا يعني الترابط وثالثها القراءة الخاطئة لأقوال بعض الأعلام مثل ما نقل عن الجاحظ من أن العرب تقطع الألحان الموزونة على الأشعار الموزونة وهو ما فهمه المؤلف بأنه مجرد إشارة إلى بعض أنواع الحداء والإنشاد الذي يجري الترنم به على قدر البحر الشعري إجمالا يرى المؤلف أن الإيقاع الموسيقي أوسع كثيرا من العروض الخليلي ويشبه المصرين على الربط بين الحقلين بمن يريد أن يصف الساقية بقياسات المحيط وهو معنى عززه بنقل قول ابن خلدون إن التناسب الذي من أجل الأجزاء والمتحرك والساكن من الحروف قطرة من بحر تناسب الأصوات كما هو معروف في كتب الموسيقى يخلص المؤلف إلى أن العروض الخليلي لفظ لوصف إيقاع كلام وهو محدود بإمكانيات الكلام ولا يصلح لوصف إيقاعات موسيقية متقنة ومعقدة تجاوزت منذ أكثر من ألف سنة إيقاعات الحداء والإنشاد الشعري الأقدم جاء الفصل الأخير من الكتاب بعنوان تطورات الألحان عبر البلدان والأزمان وتحت هذا العنوان العام تناول المؤلف عددا من المباحث مثل منهجية التلحين عند الأعلام القدماء ولا سيما في تعاملهم مع الإيقاع وتقسيمه إلى موصل ومفصل ومفهوم الفاصلة عند الرواد الأوائل في العصر العباسي وطرائق تقسيم اللحن والبيت الشعري وأثر التقسيمات التي وضعها الفارابي على اتجاهات التنظير الموسيقي اللاحقة ومدى الاتفاق والافتراق معها في صنيع الأرموي ومن جاؤوا بعده كذلك رصد عن الأزمنة المحصورةnbsp مسيرة تطور الأبعاد والأجناس المقامية والاختلافات الحقيقية واللفظية في تقسيم أبعاد الديوان الكامل أوكتاف والدرجات التي أضيفت لاحقا بسبب تأثيرات محلية فارسية أو عراقية أو مصرية ثم افتراق هذه التقاليد المحلية nbsp وتمايزها واستعرض المؤلف تطور قوالب التلحين بدءا من العصر العباسي الوسيط متوقفا مع ما دونه كبار المنظرين لهذه الحقبة مثل الحسن الكاتب وابن الطحان وابن كر وغيرهم مع تنبيه متكرر على الحذر في فخ الاشتراك اللفظي إذ يستخدم هؤلاء الأعلام المصطلح نفسه للتعبير عن مفاهيم مختلفة ومن ذلك لفظة الدور التي تأتي تعبيرا عن الإيقاع أو الجنس النغمي قبل أن تصبح لاحقا معبرة عن قالب موسيقي محدد أو جزءا معينا من أكثر من قالب وكذلك مصطلحات البحر والصوت والنشيد والبسيط وغيرها لا ريب أن هذا الكتاب بموضوعه المعقد وبالمنهجية الصارمة التي التزمها المؤلف مع نفسه البحثي الطويل سيمثل إضافة بالغة الأهمية إلى المكتبة الموسيقية العربية وإلى الرؤى النقدية الجادة التي يقدرها الموافق ويحترمها المخالف ويتأملها باهتمام من يريد أن يبدأ طريقا بحثيا موازيا nbsp رأى فادي العبد الله أن الهيبة والتوقير منعا من اختبار مقولات الآباء والأجداد وحالا دون وضع أحكامهم على موازين النقد الموضوعي فانتدب نفسه لمهمة صعبة يسائل فيها الكندي والفارابي وإخوان الصفا والأرموي والشيرازي وابن كر ويحمل أجوبتهم إلى الشيخ درويش الحريري والشيخ علي الدرويش والبارون دير لانجيه وزملائهم في مؤتمر القاهرة ليضع يد القارئ على حقائق ذات شأن تدحض المفاهيم المستقرة عن الأصالة والنقاء الموسيقي وثبات الطرائق التلحينية تلك الموسيقى لم تكف عن التحرك ولا تعرف ثابتا إلا التغير المستمر nbsp