الأرشيف العراقي للمطبوعات خارج السرد الرسمي

43 مشاهدة
صور لأغلفة كتب ومجلات وصحف وأعمال فنية تشكل مجتمعة أرشيفا كثيفا لمرحلة كاملة من تاريخ العراق الحديث يستعيد نقاشات وصراعات فكرية وسياسية ما زال بعضها حاضرا بأثره حتى اليوم كأنها لم تغلق بعد هذه المواد المطبوعة تمثل نواة مشروع الأرشيف العراقي للمطبوعات nbsp المبادرة الثقافية التي أطلقها الباحث العراقي محمد يعرب على منصة إنستغرام في مطلع عام 2021 وتضم اليوم أكثر من ثمانية آلاف مادة بين مجلات وصحف وكتب ومنشورات مختلفة ومن خلال هذا التجميع لا يعيد المشروع إظهار ما اختفى من التداول فحسب بل يفتح نافذة على كيفية تشكل الخطاب الثقافي والسياسي في العراق وعلى الدور الذي لعبته المطبوعات في صياغة الوعي العام وتوجيهه فراغ صنعته الحروب والرقابة لا تبدو هذه المطبوعات العراقية القديمة وهي تستعاد اليوم في هيئة صور رقمية وملفات مؤرشفة مجرد بقايا زمن مضى أو مواد للحنين الثقافي بقدر ما تكشف عن فراغ طويل في سردية الثقافة العراقية نفسها فراغ صنعته الحروب المتلاحقة والحصار والرقابة والمنفى وانهيار المؤسسات مبادرة ثقافية أطلقها الباحث العراقي محمد يعرب عام 2021 في الحالة العراقية يصعب النظر إلى الأرشيف بوصفه مساحة محايدة فالكثير من المطبوعات التي يعمل المشروع على استعادتها خصوصا الصحف الحزبية والمجلات الفكرية والثقافية المستقلة قبل السبعينيات تعكس صراعات حادة دارت في المجتمع وجرى لاحقا إقصاؤها أو تهميشها ضمن سرديات رسمية مختزلة إعادة أرشفة هذه المواد اليوم تعني ضمنيا إعادة فتح ملفات أغلقت قسرا وإتاحة فرصة لقراءة تاريخ ثقافي وسياسي خارج منطق الشطب والانتقاء من خلال أرشفة مجلات قديمة مثل ألف باء والعالم وآفاق عربية إلى جانب الصحف الحزبية والثقافية يسلط المشروع الضوء على أصوات كادت أن تنسى وعلى نقاشات كانت في صميم المجال العام العراقي في لحظات مفصلية الثقافة والسلطة تكشف المواد التي يضمها الأرشيف العراقي للمطبوعات عن طبيعة العلاقة المعقدة بين الثقافة والسلطة خصوصا خلال سنوات الحرب العراقية الإيرانية وكيف تحولت المطبوعات إلى أدوات مركزية في إنتاج الخطاب الرسمي وإعادة تدويره بصريا ونصيا أحد هذه النماذج غلاف العدد التاسع من مجلة آفاق عربية المنشور عام 1985 تصدرته لوحة للفنان فائق حسن تظهر صدام حسين على حصان أبيض رافعا يده في إيماءة قيادية مرتديا الزي العسكري وخلفه مشهد يوحي بسياق معركة تتداخل فيه عناصر العمل والإحالة التاريخية إلى معركة القادسية لا تقدم الشخصية هنا بوصفها قائدا عسكريا معاصرا فحسب بل باعتبارها امتدادا لرواية تاريخية كبرى يجري استدعاؤها بصريا لربط الحرب الراهنة بمخيال البطولة والانتصار nbsp إلى جانب الصور والمجلات يحتفظ الأرشيف بنماذج نصية لا تقل دلالة من بينها كتاب المنظور الفكري عند الرفيق القائد صدام حسين من تأليف فارس عبد الله بدر وتصميم غلاف سامي الربيعي والصادر في طبعته الأولى عام 1986 يمثل هذا الكتاب مثالا نمطيا للكتابة الفكرية السياسية التي أنتجتها مؤسسات الدولة في ثمانينيات القرن الماضي حيث يقدم الرئيس العراقي شخصية سياسية وقائدا مفكرا يمتلك رؤية فكرية شاملة يجري تفكيكها وتأطيرها نظريا تظهر هذه النماذج بصرية ونصية أن الأرشيف العراقي للمطبوعات لا يقتصر على حفظ ما هو ثقافي بالمعنى الضيق بل يحتفظ أيضا بسجل كثيف لآليات السلطة في إنتاج المعنى وكيف جرى تطويع الفن والفكر والصحافة والكتاب لخدمة سردية واحدة يكتسب المشروع بعدا إضافيا من طبيعة المشاركين فيه فجزء معتبر من المطبوعات التي يجري جمعها محفوظ لدى عراقيين في المنافي ممن حملوا معهم مجلات وصحفا ووثائق عند مغادرتهم البلاد طوعا أو قسرا وهكذا يتحول الأرشيف إلى مساحة تلاق بين الداخل والخارج بين ذاكرة بقيت تحت ضغط الواقع اليومي وأخرى نجت لأنها غادرت ومن هنا لا يبدو الأرشيف مجرد مشروع توثيقي بل محاولة لإعادة وصل ما انقطع بين أجيال فرقتها السياسة والمنفى والحرب هذه الطبيعة الرقمية للمشروع من شأنها أن تتيح استخدامات بحثية ومعرفية لم تكن ممكنة في السابق من تتبع التحولات اللغوية والخطاب الصحافي إلى دراسة حضور موضوعات بعينها عبر عقود مختلفة كما يفتح الباب أمام اشتغالات أكاديمية وفنية تعيد قراءة الماضي من منظور الحاضر وتفكك مادته وتعيد تركيبها في صيغ جديدة

ارسال الخبر الى:

ورد هذا الخبر في موقع العربي الجديد لقراءة تفاصيل الخبر من مصدرة اضغط هنا

اخر اخبار اليمن مباشر من أهم المصادر الاخبارية تجدونها على الرابط اخبار اليمن الان

© 2016- 2026 يمن فايب | تصميم سعد باصالح