الأرز في غانرزبيري بارك حديقة تلملم العالم في مساحة واحدة

79 مشاهدة
كيف انتقلت أشجار الأرز من جبال لبنان إلى حدائق الأرستقراطية البريطانية منذ القرن السابع عشر لا يتوقع الزائر الذي يعبر غانرزبيري بارك Gunnersbury Park الحديقة الممتدة بين برينتفورد وإيلينغ غربي لندن أن يجد أشجارا جاءت من جبال بعيدة في شرق المتوسط وسط العشب المبتل ومسارات المشي الصامتة بعد المطر تتمايز أشجار الأرز بأغصانها الأفقية العريضة وجذوعها الداكنة كأنها تحمل أثر موطنها في جبال لبنان علما أن حديقة أخرى تدعى وول بول في إيلينغ تضم أيضا أشجار أرز من لبنان لا تحمل هذه الشجرة قيمة نباتية فحسب بل ارتبطت عبر التاريخ بتراث بلاد الشام والهوية اللبنانية وظهرت في نصوص قديمة وأساطير قبل أن تتحول لاحقا إلى رمز يتوسط علم لبنان ووجودها هنا في حديقة بريطانية يفتح بابا على قصة ممتدة بين الشرق والغرب بين تجارة النباتات في القرن السابع عشر وتقاليد الحدائق الإنكليزية وبين عائلة روتشيلد اليهودية الأوروبية التي امتلكت هذا المكان لفترة طويلة من يتجول في غانرزبيري بارك اليوم قد يمر بمحاذاة هذه الأشجار التي تبدو جزءا طبيعيا من المشهد البريطاني غير أن اللوحات المعدنية الصغيرة المثبتة عند جذوعها تفصح عن خريطة نباتية تمتد أبعد من حدود المدينة أرز من لبنان وجنكو من الصين وسيكويا عملاقة من كاليفورنيا وأنواع أخرى جاءت من شرق آسيا والمتوسط تجتمع هذه الأشجار في مساحة واحدة لا تبعد سوى خطوات عن متحف غانرزبيري الذي يحتل مبنى تاريخيا كان في القرن التاسع عشر جزءا من عقار أرستقراطي مغلق هذا التجاور بين نباتات بعيدة المنشأ ومتحف محلي ومشاهد يومية من زوار يحملون القهوة وأطفال يركضون في ملعب الكرة يكشف طبقة خفية من المكان حديقة بريطانية معاصرة مبنية فوق قرنين من التبادل النباتي والاقتصادي والثقافي فالأرز والجنكو والسيكويا لم تصل إلى هنا مصادفة بل عبر مسار يبدأ من الشرق أو من غرب الولايات المتحدة ويمر عبر البعثات والعلم والتجارة وذائقة الطبقات الثرية قبل أن تنتهي هذه النباتات في متنزه عام يستقبل زوارا يجهل معظمهم الحكاية الكاملة عند المشي بمحاذاة الأشجار في الجزء الغربي من غانرزبيري يصعب اليوم تخيل أن هذه المساحة كانت يوما عقارا خاصا مغلقا لا يدخله إلا المدعوون فالمسارات التي يسلكها العداؤون صباحا كانت في القرن التاسع عشر تمر بين دفيئات زجاجية ومسطحات مزروعة بعناية تحت إدارة عائلة روتشيلد التي امتلكت المكان لسنوات طويلة وجعلت من حدائقه واجهة اجتماعية وثقافية في تلك الحقبة كانت الحدائق بالنسبة إلى النخب أكثر من مساحات للظل والنزهة إذ مثلت موقعا لعرض نباتات آتية من بعيد يدخل معظمها إلى بريطانيا عبر بعثات علمية وتجارة بذور واتصالات مع مشاتل خارجية وسط هذا المزاج الفيكتوري المغرم بالنباتات غير الأوروبية وصل أرز لبنان إلى غانرزبيري ليس باعتباره زينة فحسب بل دليلا على اتساع العالم الذي يمكن أن يحتضنه العقار اليوم تحولت تلك الحدائق إلى متنزه عام منذ سنة 1926 وبقي الأرز في مكانه لا تميزه عن غيره سوى لافتة معدنية صغيرة عند الجذع كتب عليها أرز لبنان لكن وجوده يروي لزوار الحديقة قصة طبقة أرستقراطية مرت من هنا وفضول نباتي جعل شجرة من جبال لبنان تقف في صمت تحت سماء لندن فكرة وجود أرز لبنان هنا اليوم في متنزه عام يقع غرب لندن تبدأ من قصة أبعد من حدود الحديقة فقبل أن يتحول الأرز إلى مشهد مألوف في البستنة البريطانية كانت بذوره تنقل مع الرحلات والتجار من شرق المتوسط من بين أوائل الذين حملوا هذه البذور كان المستشرق الإنكليزي إدوارد بوكوك الذي جمعها خلال إقامته في بلاد الشام بين عامي 1638 و1639 ثم زرع أولى الشتلات في إنكلترا عام 1646 ومع مرور العقود خرج الأرز من خانة النبات المستورد إلى عنصر تحبذه الطبقات الأرستقراطية فبدأ يظهر في حدائق القصور الإنكليزية والفرنسية وفي العقارات التي تملكها عائلات مثل روتشيلد بهذا المعنى أصبحت شجرة تنمو طبيعيا في جبال لبنان والساحل السوري وجنوب تركيا جزءا من مشهد نباتي عالمي يعرض في حدائق مصممة بعناية لتدل على الذوق والمعرفة والاتصال بين الشرق والغرب إذ تمر اليوم ضمن مشهد يومي لا يكشف للوهلة الأولى تاريخ انتقالها بين القارات كانت غانرزبيري قبل تحويلها إلى حديقة عامة عام 1926 أقرب إلى مسرح يجمع بين العمارة والبستنة والفكرة الأرستقراطية عن الترف فعند الاقتراب من الطرف الجنوبي للحديقة يلمح الزائر مبنى صغيرا بلون طيني أشبه بواجهة قصر مصغر هذا المبنى هو الحمام القديم nbsp Bath House الذي شيد في النصف الأول من القرن التاسع عشر في زمن الملكية الأرستقراطية للعقار وصمم على هيئة غروتو بزخارف من الأصداف والزجاج والأحجار قبل أن يضاف إليه لاحقا ممر خارجي رطب مع نوافذ تطل على الحديقة خلال تلك الفترة خاصة بين ثلاثينيات وثمانينيات القرن التاسع عشر تحول العقار إلى مساحة تجريبية لنباتات غير مألوفة في بريطانيا ظهرت الدفيئات الزراعية وتوسعت المسارات وجربت زراعة فواكه استوائية وصنوبريات شرقية في إطار ما كان يعرف آنذاك بـموضة النباتات الغريبة التي سادت العصر الفيكتوري في هذا السياق استقرت أشجار أرز لبنان المزروعة منذ القرن التاسع عشر ضمن مشهد نباتي مقصود كانت عنصرا يدل على الذوق والاقتدار التقني اليوم تعيش آثار تلك المرحلة في التفاصيل أرز شامخ ومبان صغيرة ومسارات تخفي وتكشف الأشجار تدريجيا كأن الحديقة ما زالت تشرح لزائرها كيف كانت تلملم العالم في مساحة واحدة وبينما يتقدم الزائر شمالا داخل الحديقة يتبدل المشهد من مبان صغيرة ومسارات ضيقة إلى فضاء أوسع يوحي بتاريخ نباتي مركب يأخذنا إلى حقبة تجارب البستنة التي شهدتها أوروبا في أواخر القرن التاسع عشر فمع مطلع القرن العشرين برزت داخل الحديقة ما تشبه حديقة يابانية صممت بين عامي 1900 و1901 في وقت سبق الطفرة اليابانية التي دخلت الحدائق البريطانية بعد معرض 1910 وفي عام 1907 وثقت مجلة الجمعية البستانية الملكية تجارب للبستاني جيمس هدسون على نباتات مائية هجينة داخل الدفيئات الزجاجية في خلفية هذا المشهد بقيت أشجار أرز لبنان المزروعة منذ عقود ثابتة من دون استعراض تندمج إلى جانب الصنوبريات الآسيوية داخل مشروع أرستقراطي أراد استعارة العالم وإعادة ترتيبه داخل حديقة واحدة اليوم تذوب هذه الطبقات التاريخية خلف الاستخدام اليومي للمتنزه تبدو الأرزة اليوم طبيعية في مكان لم يكن لها يوما وتبقى لافتتها المعدنية الصغيرة وحدها شاهدة على طريق بدأ من جبال بعيدة قبل أربعة قرون

ارسال الخبر الى:

ورد هذا الخبر في موقع العربي الجديد لقراءة تفاصيل الخبر من مصدرة اضغط هنا

اخر اخبار اليمن مباشر من أهم المصادر الاخبارية تجدونها على الرابط اخبار اليمن الان

© 2016- 2026 يمن فايب | تصميم سعد باصالح