الأرز في غانرزبيري بارك حديقة تلملم العالم في مساحة واحدة
كيف انتقلت أشجار الأرز من جبال لبنان إلى حدائق الأرستقراطية البريطانية منذ القرن السابع عشر؟ لا يتوقع الزائر الذي يعبر غانرزبيري بارك (Gunnersbury Park)، الحديقة الممتدة بين برينتفورد وإيلينغ، غربي لندن، أن يجد أشجاراً جاءت من جبال بعيدة في شرق المتوسط.
وسط العشب المبتل ومسارات المشي الصامتة بعد المطر، تتمايز أشجار الأرز بأغصانها الأفقية العريضة وجذوعها الداكنة، كأنها تحمل أثر موطنها في جبال لبنان، علماً أن حديقة أخرى تدعى وول بول في إيلينغ تضم أيضاً أشجار أرز من لبنان.
لا تحمل هذه الشجرة قيمة نباتية فحسب، بل ارتبطت عبر التاريخ بتراث بلاد الشام والهوية اللبنانية، وظهرت في نصوص قديمة وأساطير، قبل أن تتحوّل لاحقاً إلى رمز يتوسّط علم لبنان. ووجودها هنا في حديقة بريطانية يفتح باباً على قصة ممتدّة بين الشرق والغرب، بين تجارة النباتات في القرن السابع عشر وتقاليد الحدائق الإنكليزية، وبين عائلة روتشيلد اليهودية الأوروبية التي امتلكت هذا المكان لفترة طويلة.
من يتجوّل في غانرزبيري بارك اليوم قد يمرّ بمحاذاة هذه الأشجار التي تبدو جزءاً طبيعياً من المشهد البريطاني. غير أن اللوحات المعدنية الصغيرة المثبّتة عند جذوعها تُفصح عن خريطة نباتية تمتد أبعد من حدود المدينة: أرز من لبنان وجنكو من الصين وسيكويا عملاقة من كاليفورنيا، وأنواع أخرى جاءت من شرق آسيا والمتوسط. تجتمع هذه الأشجار في مساحة واحدة لا تبعد سوى خطوات عن متحف غانرزبيري الذي يحتل مبنى تاريخياً كان في القرن التاسع عشر جزءاً من عقار أرستقراطي مغلق.
هذا التجاور بين نباتات بعيدة المنشأ ومتحف محلّي ومشاهد يومية من زوّار يحملون القهوة وأطفال يركضون في ملعب الكرة، يكشف طبقة خفيّة من المكان: حديقة بريطانية معاصرة مبنيّة فوق قرنين من التبادل النباتي والاقتصادي والثقافي. فالأرز والجنكو والسيكويا لم تصل إلى هنا مصادفةً، بل عبر مسار يبدأ من الشرق أو من غرب الولايات المتحدة، ويمرّ عبر البعثات والعلم والتجارة وذائقة الطبقات الثرية، قبل أن
ارسال الخبر الى: