الأدب الجغرافي أنت الآن داخل نطاق القصة

27 مشاهدة

تخيّل نفسك تعبر طريقاً، فجأة يهتز الهاتف ليخبرك بأن ما تحت قدميك كان مسرحاً لجريمة وقعت قبل مئة عام، أو نقطة التقاء عاشقين في رواية تحبها: هل تواصل السير بالطريقة نفسها؟ وهل يبقى أبطالك رهن الصفحات، أم يقفزون من بروازهم ليشاركوك اللحظة؟

ما سبق ليس مجرد خيال، بل حقيقة يصفها أحد القراء الذي عاش لحظة التداخل بين الواقع والنص قائلاً: كنت أقف عند زاوية شارع محدد في بروكلين بنيويورك، أقرأ تقريراً ميدانياً على هاتفي يصف حادثة وقعت في تلك البقعة تماماً. فجأة، شعرت برعشة لأن الرصيف الذي أقف عليه أصبح هو الدليل على صدق الرواية. التكنولوجيا هنا لم تأخذني بعيداً عن الواقع، بل أجبرتني على النظر بتركيز أكبر إلى شقوق الرصيف وتفاصيل المباني التي كنت أتجاهلها يومياً.


حياة السرد

يمكن النظر إلى السرد المكاني بوصفه شكلاً من أركيولوجيا السرد، تتكشف فيه المدينة مخزوناً من القصص والذكريات. فالشوارع والمباني تحمل في طياتها، طبقات سردية كُتبت عبر الزمن، تتجاور فيها آثار العابرين وتحولات العمران كما تتجاور فصول رواية طويلة؛ لافتة باهتة؛ عمود متآكل. هكذا نجحت التقنية في تحويل القارئ من شبح يمر عبر المدينة دون أثر، إلى مكتشف يعيد قراءة الفراغات العمرانية. إنها تجربة تجعله يتساءل بينما يمشي: كم حكاية مخبأة خلف هذا الجدار لم أقرأها بعد؟

ويُعد مقال جيريمي هايت (2008) بياناً تأسيسياً لهذا المنظور، إذ يقترح انقلاباً في طريقة قراءة المدن وكتابتها. فالمدينة، في تصوره، أرشيف ضخم للقصص المطمورة، تتراكم فيه طبقات الزمن كما تتراكم طبقات الإسفلت والحجر. وبالاستعانة بتقنيات مثل الـGPS، يجري التنقيب بالحركة داخل المكان، لتحرير الحكايات العالقة في الشوارع والمباني، وإعادتها إلى التداول السردي.

حوّل جويس دبلن من مدينة مادية إلى نصٍّ جغرافي معيش

إن فلسفة جيريمي هايت في أركيولوجيا السرد لا تهدف إلى إضافة خيال غريب عن المكان، بل تسعى لإماطة اللثام عما هو كائن بالفعل؛ وهنا تبرز أهمية مفهوم الطِرس (Palimpsest). قد تبدو الكلمة غريبة، لكنها تحمل تاريخاً مذهلاً من إعادة التدوير الثقافي، فقد كانت

ارسال الخبر الى:

ورد هذا الخبر في موقع العربي الجديد لقراءة تفاصيل الخبر من مصدرة اضغط هنا

اخر اخبار اليمن مباشر من أهم المصادر الاخبارية تجدونها على الرابط اخبار اليمن الان

© 2016- 2026 يمن فايب | تصميم سعد باصالح