الأخطاء القاتلة واللحظة الوجودية هل يدرك المجلس الانتقالي حجم المأزق

ما يجري اليوم ليس حدثاً عابراً، ولا مجرد كبوة سياسية يمكن تجاوزها ببيانات تبريرية أو مناورات تكتيكية. نحن أمام لحظة مفصلية تمس جوهر القضية الجنوبية، وتكشف بوضوح حجم الاختلالات البنيوية في أداء المجلس الانتقالي الجنوبي، وسوء تقديره لتعقيدات المشهد الإقليمي، واستخفافه بموازين القوة والتحالفات.
ولنكن واضحين منذ البداية، الشماتة بما يتعرض له المجلس الانتقالي خيانة سياسية وأخلاقية، لكنها في الوقت ذاته لا تعفيه من مسؤوليته المباشرة عمّا آلت إليه الأوضاع. فالأخطاء التي ارتُكبت لم تكن عارضة أو هامشية، بل أخطاء قاتلة، نتجت عن غياب الحصافة السياسية، وضعف الرؤية الاستراتيجية، وتغليب منطق الاندفاع والاستقواء اللحظي على حسابات السياسة بعيدة المدى، وهي أخطاء لا يمكن القفز عليها أو تجاوز تبعاتها.
إن الخطوات التي أقدم عليها المجلس الانتقالي في محافظتي حضرموت والمهرة شكّلت استفزازاً مباشراً للمملكة العربية السعودية، بوصفها القوة القائدة للتحالف العربي، وصاحبة التأثير الأبرز في القرارين السياسي والعسكري المرتبطين بالملف اليمني. تجاهل ردّ الفعل السعودي لم يكن مجرد سوء تقدير، بل عكس وهماً خطيراً لدى قيادة المجلس بإمكانية فرض الوقائع بالقوة، دون تشاور أو غطاء إقليمي، وكأن الجنوب يتحرك في فراغ سياسي، أو خارج شبكة المصالح الإقليمية والدولية المحيطة به من كل اتجاه.
والأخطر من ذلك أن المجلس الانتقالي أخفق في بناء علاقة متوازنة مع دول التحالف العربي، علاقة تقوم على الندية النسبية، وعلى مسافة واحدة من الجميع، دون الزج بالقضية الجنوبية في صراعات إقليمية لا ناقة لها فيها ولا جمل. لقد أدى الانحياز غير المحسوب لهذا الطرف أو ذاك إلى تحويل القضية الجنوبية من قضية تحرر وطني إلى ورقة في بازار الخلافات داخل التحالف، وهو انزلاق لا يخدم إلا خصوم الجنوب، ويقوّض أي تعاطف إقليمي أو دولي مع حقه السياسي المشروع.
أما على الصعيد الداخلي، فالصورة لا تقل قتامة. فالمجلس الذي رفع شعاراً لمحاربة الفساد، انتهى إلى إعادة إنتاجه بصورة أكثر فجاجة. لم يفشل فقط في اجتثاث منظومات الفساد، بل وفر الحماية للفاسدين، وفتح لهم أبواب النفوذ، في مقابل إقصاء
ارسال الخبر الى: