اكتناز الألم والحزن بأثر رجعي
يُعرَّف مرض الاكتناز القهري، بحسب الطبّ النفسي، بأنه تعلّق مَرضي بالأشياء بغضّ النظر عن قيمتها، وصعوبة مستمرّة في التخلّص من المقتنيات، مهما صغُر شأنها مثل معلّبات فارغة أو قطع أثاث تالفة، ما يُصعّب على المريض التخلّي عنها بسبب اعتقاده الواهم بحاجته الملحّة إلى الاحتفاظ بها، لأنه قد يحتاجها يوماً ما. وقد يتعرّض لنوبة ذعر، وينتابه شعور بالضيق والاختناق والاضطراب لمجرّد التفكير في التخلّص من الأشياء المتراكمة في بيته، ما يدفعه تدريجياً إلى الإفراط في اقتناء وتخزين وتكديس عدد هائل من الأغراض وتجميعها، رغم أن مكانها الطبيعي سلّة القمامة، ما يحيل محلّ إقامة المُكتنِز في العادة خرابةً مكتظّةً، تشكلّ بيئةً مثاليةً للحشرات والقوارض، تتراكم فيها الأتربة والغبار، وتسوده الفوضى الشديدة وصعوبة الحركة، ما يؤثّر في علاقاته الاجتماعية، لأنه سيجد صعوبةً في استقبال الأصدقاء، وهم بدورهم سيختنقون من الطاقة السالبة التي تسيطر على المكان، ما يؤدّي به، في نهاية المطاف، إلى العزلة والوحدة، لأن تعلّقه بالأشياء أولوية تحول بينه وبين حياة اجتماعية متوازنة سويّة.
ويعزو متخصّصون أسباب الإصابة بالمرض إلى اضطرابات نفسية مثل الوسواس القهري والقلق وفرط الحركة ونقص الانتباه، ويقترحون وسائل للعلاج أهمها الاعتراف بالمشكلة، وتوافر الرغبة الحقيقية في التخلّص منها، وإدراك تبعاتها الاجتماعية والنفسية المُرهِقة، والتزام خطّة العلاج التي يقترحها الطبيب، وقبول مساعدة الآخرين، قد يستغرق العلاج زمناً طويلاً، لكنّه في النتيجة سيحقّق النتيجة المرجوّة منه.
دعنا نتخيّل من باب القياس أن أدمغتنا المحتشدة بالذكريات الحزينة، المخزّنة والمتكدّسة على مرّ السنين، هي مكان معيشتنا، المفترض أننا نتحرّك فيه ومنه ننطلق إلى الحياة. بالتأكيد سنعاني العجز عن التطلّع إلى الأمام، لأن ثقل الذكريات الحزينة التي نخزّنها ستواصل جذبنا نحو الوراء بخيوط شيطانية خفيّة، تستهلك طاقتنا وتستنزف حاضرنا، وتقف حائلاً بيننا وبين السعادة، لنكتشف أننا مصابون بمرض الاكتناز الأشدّ خطورة على الإطلاق، ذلك أننا والحالة هذه نكتنز الألم والندم والغضب، ومختلف المشاعر السالبة، أدوات تعذيب شديدة الإيلام، من شأنها أن تحيل حياتنا سواداً مطلقاً، وتضعنا في إقامة جبرية في القلق والاكتئاب والإحساس
ارسال الخبر الى: