اعتياد المشهد حين تمر الكارثة بين إعلانين
كان يا ما كان… بل هذا ما يحدث الآن. صورٌ تمرّ سريعاً عبر شاشةٍ صغيرة: مدينة تُقصف، أناس يُسحَبون من تحت بيوتهم، وصفة لتحضير الكرواسون، طفل يركض بلا اتجاه، ثم إعلان، ثم تصريح صاخب يؤكد أن المقتلة لا بدّ أن تتوقّف. في البيوت العربية، لا تأتي الفواجع من بابٍ واحد؛ يعرفها الناس جيّداً، لكنهم باتوا بارعين في تجاهلها. تُروى المآسي مجتزأة، أو تُؤجَّل، أو تُدفن تحت عبارات من قبيل: الله يسترنا والله يفرجها عليهم. وهكذا تمضي الأيام بما يشبه العادي، فيما ضجيج المأساة يطنّ في الخلفية، ويتراكم بلا ملامح واضحة.
من هنا، لا يعود سؤال العاديّة سؤالاً أخلاقياً بقدر ما يتحوّل إلى سؤال عن القدرة. كيف يعيش الإنسان حين تتكدّس المآسي؟ وكيف يحمي نفسه حين لا يملك ترف الإغماض ولا القدرة على المواجهة الدائمة؟ أمام هذا الضغط المستمر، لا يكون الانسحاب خياراً طوعياً، بل استجابة صامتة لواقع يتجاوز طاقة الاحتمال. فلا تختفي الاستجابة الوجدانية تماماً، ولا تحضر بكامل قوّتها، بل تستقرّ في منطقة رمادية: يرى الإنسان ويعرف، لكنه يتعلّم ألّا يشعر بأكثر مما يستطيع تحمّله. هنا يتشكّل نمط من التفاعل لا هو لامبالاة مطلقة ولا تعاطف حيّ، وهو ما اصطلح عليه حديثًا بـاعتياد المشهد.
قد يبدو هذا الاعتياد مثيراً للحنق في نظر كثيرين، غير أنه في جوهره نتيجة طبيعية للتوتّر العاطفي الناجم عن فرط التعرّض للمؤثرات الصادمة. فالاطلاع المتكرّر على الأحداث المأساوية يُنتج ما يُعرف بـالإجهاد الصدمي الثانوي، وهو مفهوم طوّره تشارلز آر. فيجلي لوصف استجابة نفسية تُشابه، في بعض أعراضها، اضطراب ما بعد الصدمة، وتنشأ عن التعرّض لمعاناة الآخرين عبر المشاهدة أو المتابعة المتواصلة لصور الألم والعنف والدمار. ومن هنا يبرز تساؤل إضافي حول الآليات النفسية التي يلجأ إليها الأفراد للتكيّف مع هذا الإجهاد.
الاطلاع المتكرّر على الأحداث المأساوية يُنتج ما يُعرف بـالإجهاد الصدمي الثانوي، وهو مفهوم لوصف استجابة نفسية تُشابه، في بعض أعراضها، اضطراب ما بعد الصدمة، وتنشأ عن التعرّض لمعاناة الآخرين عبر المشاهدة
في هذا السياق،
ارسال الخبر الى: