استعادة العلاقة بالقلم

يمنات
محمود ياسين
بدى خطي البارحة سيئا للغاية ، كان أشبه بمخطوط بصيرة أرض كتبها فقيه في بدايات طموحه لأن يغدو مأمون محل .
هي تجربة شخصية ارتجلتها على سبيل إحياء الخط واستعادة العلاقة بالقلم ضمن جهد أولي لمقاومة التقنية ، شكل من احياء ذاكرة العلاقة بين الكلمات والورق فبدت المحاولة وكأنها آثار اقدام دجاج هارب من شرطة نظام الطيبات .
أين ولى قلم البركل ؟ يطلقون عليه باركر لكنه البركل الذي لمحته بين أصابع أبي أول حضور لي اثناء كتابته رسالة لأخوتي في السعودية ، أذكر صوت حفيف القلم ذاك وأبي يكتب ويتهدج بصمت من يقيم قداسا مزيجا من الحنين والدموع ، كان ميم أبي مثنيا بشكل مفرط وبسملته مرسومة على رأس الورقة قبل افتتاح السردية التي بدأت أولا بالدعاء ومرت بقائمة مطالب مصاريف وبهارات ودجلة لشتاء الدنوة وفنيلة صوف لأمي وبدلة للولد محمود ، كان محمد وعبدللطيف هما المورد البعيد والمتواصل ، صوتهما معلقة في ركن مساء الدنوة يطلان من الزواية بياقات ضخمة ناصعة وعيون مثقلة بالكد والتساؤلات المبهمة ، وانتهت الرسالة بوعظية مقتضبة ودعاء وحث متواتر على الصلاة .
كان خطي جيدا في صف ثاني وتطور في صف ثالث للدرجة التي اقتنع فيها الاستاذ طه احمد محمد حسب النبي ، مصر ، المنصورة ، جديلة ، أنني سأكون خطاطا عظيما في المستقبل غير انني خيبت توقعاته بمرور الوقت ولم أصل ثالث اعدادي الا وقد اتخذ خطي شكل دواماتي النفسية المبكرة ، بالتأكيد : أنا وجدانيات من ثالث اعدادي وقبل ان اقرأ سارتر حتى ، شرعت في الوجودية هكذا دون معلم .
لطالما حدقت في جماليات خطوط النصائح والحكم الأثيرة المكتوبة على مقدمات الشاصات وحتى قلاب الاحجار المكتوب على فولاذه الأمامي وبكل ثقة : غزال في الجبال وأرنب في الرمال .
ومن فرط جمال الخط كان القلاب وهو محمل بالاحجار يبدو غزالا بدرجة ما ، ذلك ان الجمال وحده قادر على فرض صور بديلة أقل ثقلا من الواقع
ارسال الخبر الى: