استعادة الجزيرة السورية ومسار توحيد الجغرافيا وصراعات النفوذ
241 مشاهدة
جاءت عملية استعادة منطقة الجزيرة السورية بمحافظاتها الثلاث الرقة ودير الزور والحسكة لتفتح أفقا جديدا أمام التحول الكبير الذي بدأ بإسقاط نظام بشار الأسد في الثامن من ديسمبر كانون الأول 2024 وقد كان بقاء هذه المحافظات خارج سلطة الدولة مسألة تؤرق حكام دمشق الجدد لسببين الأول الخوف من انفصال المنطقة التي تشكل قرابة 40 من مساحة سورية وتحولها إلى مركز ثقل سوري ثان وملاذ سياسي وعسكري يؤوي كل أعداء النظام الجديد من فلول وأتباع للشيخ حكمت الهجري وجميع الذين يعملون ضد الحكم والسبب الثاني هو أن المنطقة هي خزان الثروات الذي لا يمكن لبقية أنحاء سورية أن تعيش من دونه تحوز الجزيرة السورية على النفط والغاز والحبوب والقطن وقال الرئيس السوري أحمد الشرع إن سورية خسرت العام الماضي حوالي 22 مليار دولار بسبب حرمان الدولة من دخول المنطقة وحرمان الخزينة الرسمية من عائداتها وفي حسابات الخبراء تشكل منطقة الجزيرة السورية صمام أمن الغذاء والطاقة في سورية ومن دون عودتها للدولة ستبقى تعتمد على استيراد النفط والغاز والقمح من الخارج عدا عن أن بقاء هذه العوائد في يد قوات سوريا الديمقراطية قسد يحولها إلى سلاح ضد الدولة استعادة الجزيرة السورية كان واضحا أن الهدف الثاني بعد تثبيت وضع النظام في دمشق وترتيب علاقاته الخارجية هو استعادة منطقة الجزيرة السورية وقد عملت السلطة الجديدة على ذلك بطرق مختلفة وأعطت للمفاوضات مع قسد وقتا كافيا لم يتكلل بتنفيذ اتفاق العاشر من مارس آذار 2025 قبل أن تتخذ قرارها النهائي باللجوء إلى القوة العسكرية وما كان لهذا الطموح الكبير أن يتحقق لو لم تأمن الحكومة عدم تدخل إسرائيل وتأخذ من الولايات المتحدة الضوء الأخضر بوصفها حليف قسد منذ تأسيسها في عام 2015 لمحاربة تنظيم داعش وممولتها وآخر مبالغ التمويل كان 130 مليون دولار لعام 2026 يظل العامل الأساسي هو التحول الأميركي تجاه قسد ونجحت السلطة السورية في تحييد إسرائيل وكسب جانب أميركا وبقي عليها اختيار التوقيت المناسب للعملية العسكرية وكانت كواليس دمشق في الشهر الأخير من العام الماضي تعطي احتمال استعادة الجزيرة السورية بالقوة نسبة 50 وجاءت أحداث أحياء الأشرفية والشيخ مقصود وبني زيد في حلب في السادس من شهر يناير كانون الثاني الحالي لترفع العداد بقوة كبيرة خصوصا أن ردة الفعل الشعبية المؤيد لها كانت ساحقة نتيجة للإدارة المهنية لها وفشل قسد بإخراج عناصر مسلحة تابعة لها داخل أحياء مدنية في حلب العاصمة الاقتصادية للدولة وضمن نطاق جغرافي حساس يتحكم بالطرق الأساسية ويشرف على المناطق الصناعية الكبرى أدى ضعف حجج قسد وأداؤها المتعثر في حلب دورا أساسيا في تمهيد الطريق أمام قوات الحكومة للتقدم نحو شرق المدينة لتأمينها من الطائرات المسيرة والقصف المدفعي المتواصل من منطقتي مسكنة ودير حافر حيث يقع أيضا عدد من محطات تغذية محافظة حلب بالكهرباء من سد تشرين ومياه الشرب من نهر الفرات واستخدمت الحكومة التكتيك نفسه الذي اتبعته في عملية ردع العدوان التي قامت بها هيئة تحرير الشام جبهة النصرة سابقا والفصائل الموالية في 27 نوفمبر تشرين الثاني 2024 حينذاك كان الاعتقاد أن هدف العملية العسكرية هو دخول ريف حلب من أجل تأمين ريف إدلب ولكنها استمرت نحو حلب المدينة ومنها اتجهت نحو دمشق مستفيدة من عنصري التمويه والمفاجأة وجرى استنساخ الأسلوب نفسه لدى دخول دير حافر ومسكنة من دون قتال وبوساطة أميركية بذريعة تأمين حلب ومن ثم انتقلت قوات الجيش السوري نحو مدينة الطبقة لتسيطر على سد الفرات الاستراتيجي وساد الظن أن هذه القوات ستتوقف في مناطق غرب نهر الفرات الذي يفصل المنطقة إلى قسمين الجزيرة السورية وتلك الشامية حيث تقع المحافظات الثلاث لكنها بسرعة شديدة عبرت الفرات واستعادت النصف الثاني من دير الزور وكامل الرقة واتجهت نحو ريف الحسكة وسيطرت على مساحات شاسعة بين مدينتي مركدة والشدادي وتوقفت هناك قبل أن تكمل نحو أجزاء أخرى من شرق الفرات ومنها ما يقع قرب نهر دجلة على الحدود مع العراق كما هو الحال في معبر اليعربية في ريف مدينة القامشلي يعزى التقدم السريع للقوات الحكومية إلى ثلاثة عوامل العامل الأول هو قرار بتغطية أميركية ودعم دول عربية وإقليمية وازنة والثاني مشاركة واسعة من العشائر العربية التي سيطرت على مناطقها قبل وصول الجيش والثالث حصول انشقاقات واسعة من العرب في صفوف قسد وعدم وجود خطة مواجهة لديها ويبدو أن حساباتها لم تضع هذا السيناريو في عين الاعتبار فهي لم تتوقع الهجوم الكبير الخاطف والمنسق وكانت تعول على دور أميركي يمنع الحكومة من التقدم نحو الجزيرة السورية في ظل تقديرات بأن قسد ركنت إلى دعم إسرائيلي شبيه بما حصل في يوليو تموز الماضي خلال أحداث السويداء عندما تدخلت إسرائيل عسكريا لمنع القوات الحكومية من دخول المدينة لإنهاء ظاهرة الشيخ الهجري ومهما يكن من أمر يظل العامل الأساسي هو التحول الأميركي تجاه قسد الذي بدأ منذ دخول الدولة السورية إلى التحالف الدولي لمكافحة الإرهاب وزيارة الشرع إلى واشنطن في التاسع من نوفمبر الماضي للتوقيع على هذا الانضمام وبذلك باتت سورية العضو رقم 90 في التحالف الذي تشكل بقيادة الولايات المتحدة في سبتمبر أيلول 2014 الذي يضم دولا أوروبية وعربية وتركيا وقبرص من دول الشرق الأوسط ودولا آسيوية وأفريقية وشركاء آخرين مثل الإنتربول وحلف شمال الأطلسي ناتو وجامعة الدول العربية وكان واضحا أن الانضمام سيساهم في حل مشكلة مناطق شمال شرقي سورية وإعادة بسط سلطة الدولة ونشر مؤسساتها فيها وسيطرتها على حدودها الدولية وستفقد قسد ميزة الشريك السوري الوحيد للتحالف ونقل الشراكة للحكومة وبالتالي نقل السلطة إليها وتكليفها بإدارة ملف السجون والمخيمات التي تؤوي عناصر تنظيم داعش وعائلاتهم إضافة للعوائد الاقتصادية المهمة من الثروات الطبيعية تعد عملية استعادة الجزيرة السورية ناجحة عسكريا وسياسيا وزادت من رصيد الرئيس السوري داخليا وخارجيا أول نتيجة لها أنها أعادت توحيد الجغرافيا السورية وأنهت مشاريع الانفصال والإدارة الذاتية واللامركزية السياسية ولم تمنح الأكراد أكثر مما أعطاهم المرسوم الذي أصدره الشرع من اعتراف بحقوقهم في المواطنة والخصوصية الثقافية والتربوية وممارسة طقوسهم واحتفالاتهم الخاصة واعتبار عيد النوروز عطلة رسمية كما قطعت الطريق على المراهنين من الفلول في الساحل وأتباع الشيخ الهجري على دعم قسد من أجل تشكيل كيانات انفصالية تهز استقرار الساحل والجنوب وساهمت العملية في تعزيز السلطة اقتصاديا وبشريا بانضمام ثلاث محافظات جديدة للدولة بعد أن بقيت تحت سيطرة قسد على المستوى الخارجي برز الشرع رجلا قويا قادرا على الدخول في مواجهة مع قوة كانت ترفض التفاوض معه إلا بشروطها واستمرت تماطل لعشرة أشهر مراهنة على حصول تغيرات في الموقف الدولي تجاه حكمه ولكن حصل العكس عندما قرر الدخول في مواجهة عسكرية مع قسد التي كانت تقدم نفسها على أنها قوة عسكرية غير قابلة للانهزام وقد تبين من خلال ردات الفعل الدولية وفي طليعتها الأميركية أن القبول الذي حازه الشرع جاء من قدرته على معالجة الملفات الصعبة بأقل الخسائر ومنها توحيد سورية تحت سلطة حكومته وتعهده بالتعاون مع الغرب بخصوص الملفات الأساسية فيما يتعلق بمواصلة الحرب على داعش ومنع إيران من العودة إلى المنطقة برز الشرع رجلا قويا قادرا على الدخول في مواجهة ملف السويداء يعود قريبا جرى توجيه ضربة قاضية للفلول لكن ملف السويداء لا يزال مفتوحا وتشير تقديرات سورية إلى أنه سيعاد فتحه في الفترة المقبلة بوساطة أميركية من أجل إعادة تفعيل اتفاق عمان الثلاثي الذي جرى توقيعه في سبتمبر الماضي بين سورية والأردن والولايات المتحدة ورفضه الهجري في حينه وترى أوساط سورية أن شرط بدء هذه العملية هو كف يد الهجري ومليشيات الحرس الوطني التابعة له وفي حال جرى ذلك تبقى إسرائيل عقبة رئيسية كونها تريد بقاء السويداء ضمن دائرة نفوذها حتى في حال تم توقيع الاتفاق الأمني مع سورية وهذه إحدى نقاط الخلاف الرئيسية تبدو بعض تجليات الصورة السورية الراهنة وتجلياتها مرتبطة بتنازع النفوذين التركي والإسرائيلي في سورية وهذا خاضع لمدى قدرة الولايات المتحدة على ضبط الإيقاع بينهما وترى أوساط مراقبة أن ثقل واشنطن في عملية الجزيرة السورية ساهم في فرملة إسرائيل وحد من ميلها إلى جانب قسد ويعزى جانب من حسم الإدارة الأميركية موقفها من قسد إلى مراعاة تركيا التي تعد هذا التنظيم خطرا يهدد استقرارها ولذلك كانت مواكبة لعملية وداعمة لها وهناك من يجزم بأن تركيا أبلغت أميركا أنها ستواجه إسرائيل في حال تدخلت عسكريا لصالح قسد