استحبس للسوري المراد الديب بساطة أسلوب وغنى شهادة
أسهل شيء في هذا المكان.. الموت. الموت من التعذيب، من المرض، من جرح صغير في القدم، من نقص الهواء، من الجوع، من الإعدام. في مكان الموت هذا، أمضى المخرج السوري المراد الديب أشهراً، وعندما خرج منه وغادر البلد لم تفارقه الرغبة في توثيق ما عاشه تلك المدة. لحظة انهيار النظام، الذي شيّد ذاك السجن الرهيب المُسمّى الفرع 215، شعبة المخابرات العسكرية، عاد إليه مستذكراً تفاصيله وحسرته على رفاق له كانوا معه فيه، لكن الحظ لم يحالفهم مثله، فماتوا، أو غُيّبوا بين جدرانه. عاد وفكرة فيلم وثائقي تُلحّ عليه. اختيار شكل فيلمه/شهادته حسمها المكان نفسه: صُور ثابتة لجدران زنزاناته وممراته. صُور من المهجع رقم 5 الذي رموه فيه.
مشاهد صامتة للمكان. تفتح الكاميرا عدساتها من دون أن تتحرك. تريد سجنها، كما سجن الديب ورفاقه، وغيرهم الكثير، بعد انتفاضتهم ضد نظام بشار الأسد بتظاهرات سلمية تطالب بالتغيير. صُور ثابتة، يبدّد صمتها الثقيل نص شفهي، يحيلها إلى مشاهد سينمائية يرويها بصوته. مستويات الصوت ونبرته تتغير وفق انفعالاته، وشدة تأثّره بلحظة استعادة الذاكرة لمكانٍ تركه قبل أكثر من عشر سنوات وعاد إليه اليوم.
عنوان فيلمه استَحْبسْ (2026) استمدّه من حكمة رفيق سجن، نصحه بالتكيّف مع الحبس (إنه المعنى الدقيق للكلمة)، وإلا فإنه لن يصمد فيه، وستنهار مقاومته. يريد لوثائقيه أن يكون شهادة حيّة عن تجربة شخصية قاسية، بدأت قبل ساعات أو دقائق قليلة قبل حلول سنة جديدة، خطّط الديب مع أصدقاء له أن يحتفلوا بنهايتها معاً (2013)، لكنهم لم يكملوا ما أرادوه، فالسلطة أوقفت الزمن بإرادتها وحبسته، ناقلة بالقوة مكان الاحتفال بحي دمشقي إلى كفرسوسة، حيث السجن الرهيب للمخابرات.
هذا يفسر لماذا أُلحَق استحْبسْ بعنوان فرعي آخر: ليت السنة كانت ثلاثمئة وأربعة وستين يوماً. في العنوان كلمة ليت دالة على أمنية حزينة لم تتحقّق. في المتن الحكائي للوثائقي، الفائز بجائزة الجمهور بمسابقة السينما الثورية، بالدورة الـ43 (26 يونيو/حزيران ـ 5 يوليو/تموز 2026) لمهرجان ميونخ السينمائي، ليت ليست مجرد كلمة، بل غصة على
ارسال الخبر الى: