اختلاف الرؤى هل الحقيقة واحدة
لا تكمن أزمة الإنسان في اختلافه مع الآخرين، بل في اعتقاده أن العالم يجب أن يُرى بعينيه وحده. فما إن تتعدد التأويلات حتى يبدأ الاتهام؛ فهذا يصف الآخر بالجهل، وذاك يتهمه بالتحيز، وثالث يراه أسيراً للأيديولوجيا أو للمصلحة. وكأن الحقيقة كيان بسيط يمكن امتلاكه، لا أفقاً يتسع لكل محاولة جادة لفهمها.
هنا تبرز الإشكالية الفلسفية التي رافقت الفكر الإنساني منذ نشأته: هل اختلاف الرؤى دليل على تعدد الحقيقة، أم أنه نتيجة لاختلاف الوعي الإنساني في إدراك حقيقة واحدة؟
قد يبدو السؤال نظرياً، لكنه في جوهره سؤال يمس الحياة اليومية، والسياسة، والدين، والثقافة، والعلاقات الإنسانية. فالحروب تبدأ غالباً عندما تتحول الرؤية الخاصة إلى حقيقة مطلقة، وينتهي الحوار عندما يظن كل طرف أن ما يراه هو الواقع نفسه، لا مجرد تفسير له.
إن الإنسان لا يتعامل مع العالم كما هو، بل كما يظهر له من خلال منظومته المعرفية والنفسية والثقافية. فالإدراك ليس عدسة شفافة، وإنما بناء معقد تشارك في تشكيله الذاكرة، والتربية، واللغة، والانتماء الاجتماعي، والخبرة الشخصية. ولذلك فإننا لا ننظر إلى الشيء نفسه، بل إلى المعنى الذي يمنحه وعينا لذلك الشيء.
لقد أدرك أفلاطون هذه الحقيقة حين صاغ أسطورة الكهف، حيث يرى السجناء ظلال الأشياء فيحسبونها الحقيقة الكاملة، بينما الواقع أوسع مما تسمح به زوايا نظرهم. ولم يكن القصد من هذه الأسطورة التقليل من شأن العقل، بل التنبيه إلى أن الإنسان قد يجعل من إدراكه المحدود يقيناً مطلقاً، فيتحول الوهم إلى عقيدة يصعب زحزحتها.
الإنسان لا يتعامل مع العالم كما هو، بل كما يظهر له من خلال منظومته المعرفية والنفسية والثقافية
وفي العصر الحديث، عمّق إيمانويل كانط هذا الإشكال عندما ميّز بين الشيء في ذاته والشيء كما يظهر لنا. فالوعي، في نظره، لا يستقبل الواقع استقبالاً سلبياً، بل يشارك في بنائه من خلال مقولاته العقلية. ومن ثم، فإن اختلاف الرؤى لا يعني بالضرورة اختلاف الواقع، وإنما اختلاف البنى التي يُدرك الواقع من خلالها.
أما فريدريش نيتشه، فقد ذهب أبعد من ذلك
ارسال الخبر الى: