احتلال غير مرئي كيف يستمر الغرب في السيطرة على دول غرب أفريقيا رغم انسحاب جيوشه

شهدت منطقة غرب أفريقيا، تحديداً عامي 2021 و2025، تحولاً أمنياً مفصلياً تمثل في موجة من الانقلابات العسكرية التي أسفرت عن طرد القوات الغربية الرسمية من دول محورية كالنيجر ومالي وبوركينا فاسو. وقد أثار هذا التطور تساؤلات جدية حول مدى تراجع النفوذ الأمريكي والأوروبي في المنطقة.
إلا أن التحليل المعمق للاستراتيجيات الجديدة يكشف أن الغرب، بشقيه الأمريكي والأوروبي، لم ينسحب بالكامل، بل قام بإعادة هيكلة وجوده الأمني ليصبح أكثر دهاءً وأقل وضوحاً، مستبدلاً الانتشار العسكري التقليدي بالتكنولوجيا المتقدمة والشبكات السرية. ويُطلق على هذا التحول تحليلياً اسم استراتيجية القلعة العائمة وحرب الظلال.
ينبع هذا التحول من إدراك الغرب بأن الوجود العسكري المباشر بات يُنظر إليه على أنه بؤرة للكراهية ويُستغل كوقود للدعاية المعادية للاستعمار التي تروّج لها روسيا والصين. ونتيجة لذلك، اختار الغرب التخفي والاعتماد على التحكم عن بعد من خلال الطائرات المسيرة، والأقمار الصناعية، والشركات الأمنية الخاصة، والعملاء المحليين. هذه الاستراتيجية ليست مجرد دفاعية؛ بل هي خطة هجومية تهدف إلى المصالح الاقتصادية الحيوية، مثل تأمين موارد اليورانيوم في النيجر، والذهب في غانا، والنفط في نيجيريا، بالتوازي مع مكافحة التهديدات الإرهابية التي تمثلها تنظيمات مثل داعش والقاعدة في منطقة الساحل.
وتشير تقارير صادرة عن منظمات دولية بارزة كـمجموعة الأزمات الدولية وهيومن رايتس ووتش إلى أن هذا النهج زاد من الاعتماد على الذكاء الاصطناعي والمراقبة الإلكترونية. وبينما يثير ذلك مخاوف أخلاقية بشأن انتهاك الخصوصية والسيادة الوطنية، فإنه في المقابل يخفف الأعباء البشرية والسياسية عن الغرب. وهو اليوم يركز على إنشاء جدران نارية افتراضية بدلاً من القواعد الأرضية، مما يعزز قدرته على الرد السريع دون الانخراط في التزامات طويلة الأمد أو مواجهات مباشرة مع المنافسين الدوليين، مثل روسيا التي عززت وجودها عبر مجموعات مرتزقة كـفاغنر.
في هذا التقرير نرصد بالتفصيل كيف أعاد الغرب تموضع نفسه داخل دول غرب أفريقيا حتى بات نفوذه أقرب إلى احتلال غير مرئي لهذه الدول رغم الحديث عن خروج كافة القوات الغربية من المنطقة.
أولاً: المحور الأمني
النيجر: من سقوط
ارسال الخبر الى: