نحو اجتراح طرق للعمل السياسي وتجنب شرعنة الصهيونية
لم يقبل الفلسطينيون الصهيونية، ورأوا فيها، منذ نشأتها، حركة كولونيالية استيطانية لا يمكن شرعنتها أو الاعتراف بها، حتّى ضمناً. وكانت مقاومة الصهيونية، منذ البداية، فكراً وممارسة، ولا تزال، مركّباً جوهرياً في تعريف مَن هو الفلسطيني ومَن يقف مع الفلسطيني. ويمثّل هذا الموقف الشعب الفلسطيني في فلسطين وفي المنفى على اختلاف مشاربه السياسية. وعندما لمّحت السلطة الفلسطينية، في العقد الثاني من هذا القرن، إلى أنّها قد تقبل بدولة فلسطينية بجانب دولة يهودية، توجّهت قيادات فلسطينية من مناطق الـ48 إلى الرئيس محمود عبّاس محذّرين من اعترافه بدولة يهودية بوصفه خطأً تاريخياً. وكان من بينهم قيادات بارزة محسوبة على الجبهة الديمقراطية للسلام والمساواة وعلى الحزب الشيوعي. وقد كان للعمل السياسي الفلسطيني في هذه المناطق، وللقيادات الفكرية والسياسية التي تبلورت فيها منذ سنوات التسعينيّات، مساهمة جليّة في بلورة هذا الموقف الجماعي هناك.
لم يكن من السهل على أي حزب سياسي فلسطيني أن يرفض الدولة اليهودية جليّاً، وأن يرفض بذلك الصهيونية رفضاً قاطعاً، إذ إنّ معنى الصهيونية في جوهرها إقامة دولة يهودية استثنائية على أرض فلسطين. كان من الأسهل على الأكاديمي أن يكتب بصراحة، في منصّات أكاديمية وغير أكاديمية، عن معارضة الدولة اليهودية، وعن الحاجة إلى تخيّل مستقبل من دون الصهيونية والعمل من أجله، وأن يدفع ثمناً لذلك، لكنّه ثمن شخصي يتحمّل مسؤوليته هو، وليس ثمناً قد تدفعه جماهير الفلسطينيين في مناطق الـ48 إذا ما جاهر حزب سياسي بمثل هذا الموقف، لكنّ مسؤولية السياسي، ومعه المثقّف، ليست التخلّي عن جوهر فكره السياسي بسبب الأثمان المحتملة، بل اجتراح الطرق التي يستطيع من خلالها أن يقدّم هذا الفكر ويحوّله إلى برنامج للعمل السياسي.
مسؤولية السياسي، ومعه المثقّف، اجتراح الطرق التي يستطيع من خلالها أن يقدّم الفكر ويحوّله إلى برنامج للعمل السياسي
من هنا، كانت المعادلة التي طرحها حزب التجمّع الوطني الديمقراطي، بقيادة عزمي بشارة، ومثقّفيه ونشطائه الآخرين، حين قدّم دولة جميع مواطنيها برنامجاً للعمل السياسي، اجتراحاً فذّاً جمع بين الفكر الفلسطيني المناهض للصهيونية وبرنامج للعمل السياسي، استطاع
ارسال الخبر الى: