ابتسام عازم دوائر الفقد والحياة في مدن الغريب

70 مشاهدة
تعيد الروائية الفلسطينية ابتسام عازم تعريف الكتابة فوق الأنقاض في نصوص تعتمد على المكان الذي قد يخيل أنه الراوي من دون أن ينطق بالحكاية فالأمكنة هنا كائنات حية تقصف وتتألم وتلفظ أنفاسها فتذكر في مجموعتها القصصية مدن الغريب منشورات تكوين 2025 أسماء الشوارع والحارات وتفاصيل الطوابق التي تحولت إلى أشكال هندسية جديدة بفعل الدمار الذي يعيشه الفلسطينيون تحت الاحتلال nbsp ولا يتصدر هذا الإغراق في التفاصيل المكانية بوصفه نوعا من الترف الأدبي إنما يتصدر بطولة الحكايات كما لو أنه فعل مقاومة ضد المحو فتوثيق اسم الزاوية التي سقطت فيها قذيفة أو توجه إليها شهيد أو استعادت الذاكرة اسمه الأصلي جاء ليثبت أحقية الوجود في وجه آلة تسعى إلى تحويل المدن إلى مدن غريبة حتى على أهلها سمورة الفناء في دوائر متكررة في قصة سمورة تجسد عازم ذروة المأساة الإنسانية من خلال عيني الطفلة نسرين نسرين التي تبحث عن دميتها سمورة وسط حطام بيتها تعكس انشغال الكائن بمفقوداته الصغيرة بوصفه آلية للدفاع ضد هول الفقد الأكبر فالحوار بين نسرين والدمية مرثية للأحلام الموؤودة صحيح حلمت الفتاة أن تصبح قبطانة طائرة إلا أن المشهد الحقيقي لطائرات الإغارة جعل الحلم ذنبا لا تود إلا أن تمحيه بعد أن صار الطيران في سماء غزة نذيرا للموت لا رمزا للحرية والخلاص في فلسطين لا يكفي أن تموت بل عليك أن تجد قبرا يلمك تبرع عازم في تصوير تضاد إنساني يعمق المأساة فبينما تنشغل الأم بجمع ما تبقى من بؤس العيش وينشغل الشباب بإنقاذ الجار معتز من تحت الركام تظل نسرين متمسكة بدميتها لكن المأساة تكتمل في دائرة عبثية من الفناء ففي اللحظة التي ينجو فيها معتز يبتلع الموت نسرين في غارة جديدة لتبقى الدمية سمورة وحيدة على الحجر شاهدة على فناء صاحبتها في صورة صارخة لدوائر الفقد المتكررة التي لا تنتهي فلسفة الأشياء الصغيرة تغوص ابتسام عازم في فلسفة الأشياء فالدمية سمورة والكناري هدهد والمقعد الدراسي حراسا للذاكرة الشخصية في وجه الإبادة المكانية عندما تصر نسرين على أن دميتها تشبهها في سمارها الجوزي وشعرها المشاكس كجزة صوف فإن عازم هنا تمنح الضحية ملامح وتاريخا وجمالا خاصا متمردة على محاولات إله الحرب لتحويل الفلسطينيين إلى مجرد أرقام في نشرات الأخبار الحطام في قصص عازم ليس نهاية المادة بل هو اختراع لأشكال هندسية جديدة كما تصفه حيث تتحول الأنقاض إلى طبقات جيولوجية من الحكايات الموؤودة هذا الإلحاح على التفاصيل الدقيقة مثل حلم نسرين بأن تصبح قبطانة طائرة يبرز الفجوة الأخلاقية الهائلة بين الطائرة بوصفها أداة للتحليق والحرية في خيال الطفلة والطائرة أداة للموت المجرد في واقع الاحتلال إن عازم تضعنا أمام مرآة قاسية حيث يصبح الكناري الذي لا يهدأ رمزا لحيوية مهددة بالسكون الأبدي وتصبح الحقيبة المدرسية عبئا من الوعود التي لن تتحقق من خلال هذه المقاربة تنجح الكاتبة في أنسنة الوجع بعيدا عن الصراخ المباشر جاعلة من تفاصيل الحياة اليومية البسيطة خط الدفاع الأخير عن الوجود إنها تكتب عن المدن التي سقطت والمدن التي تأبى السقوط ما دام هناك من يتذكر لون كناري أو ملمس دمية من القماش هذا الانحياز إلى التفاصيل الهامشية يجعل من مدن الغريب وثيقة وجدانية تدين القاتل بلسان الأشياء التي لم تكتمل قصتها بعد عبثية الجثامين تنتقل عازم في قصة عيد ميلاد إلى منطقة شعورية بالغة التعقيد وهنا يصبح الموت الطبيعي رفاهية يخجل منها الأحياء وسط جثث متحللة وأشلاء مبعثرة تصف الكاتبة جنازة الأب الذي مات قهرا بأنه موت طبيعي اختطفه خجلا في مفارقة موجعة تشير إلى أن الموت بسلام أصبح شذوذا عن قاعدة القتل الجماعي تطرح القصص أيضا معضلة الفقد المزدوج فقدان الروح وفقدان الجسد ففي فلسطين لا يكفي أن تموت بل عليك أن تجد قبرا يلمك وعندما تضيع الجثامين أو تظل عالقة تحت الأنقاض أو تختفي لعشرين عاما يغدو القبر بحد ذاته حلما وهكذا nbsp يمنع فقدان الجسد الناجين من الالتحام بالماضي أو ممارسة طقوس الوداع الأخيرة ليتحول الغياب إلى سحابة شاردة لا تجد أرضا تستقر فيها من يكتب الحكاية تنتهي إحدى القصص بجملة تلخص فلسفة المجموعة وسيكتب الحكاية من يبقى للآخر فلا تكتب ابتسام عمن بقوا وحدهم إنما تعطي صوتا لمن غابوا ولدمى الأطفال وللأشجار التي حفرت عليها الأسماء وللأجساد التي لم تجد قبورا

ارسال الخبر الى:

ورد هذا الخبر في موقع العربي الجديد لقراءة تفاصيل الخبر من مصدرة اضغط هنا

اخر اخبار اليمن مباشر من أهم المصادر الاخبارية تجدونها على الرابط اخبار اليمن الان

© 2016- 2026 يمن فايب | تصميم سعد باصالح