االجناح الأميركي في بينالي البندقية أداة لتصفية الحسابات
94 مشاهدة
منذ عقود مثل الجناح الأميركي في بينالي البندقية واحدا من أهم أدوات القوة الناعمة التي تستعرض بها الولايات المتحدة صورتها أمام العالم غير أن التطورات الأخيرة تكشف عن تحول لافت في هذا الدور إذ أدخلت إدارة دونالد ترامب تعديلات على شروط التقدم للمشاركة في الدورة المقبلة من البينالي 2026 هذه التعديلات لم تثر النقاش فقط داخل الأوساط الفنية الأميركية بل تجاوزت ذلك لتصبح مؤشرا على الكيفية التي يراد بها إعادة صياغة الدبلوماسية الثقافية الأميركية بما يخدم أجندة سياسية محددة في مقدمة هذه التغييرات جاء التأكيد المتكرر لما يسمى القيم والاستثنائية الأميركية مقرونا بحظر استخدام أي جزء من التمويل في دعم برامج التنوع والعدالة والشمول لكن الأكثر إثارة للدهشة وربما الأخطر من الناحية الرمزية هو البند الذي ينص بوضوح على أنه لا يجوز استخدام أي من الأموال الممنوحة لأي مدفوعات أو تحويلات إلى وكالة الأمم المتحدة لإغاثة وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين أونروا إدخال هذا الشرط في وثيقة متعلقة بمشاركة فنية في البينالي بدا لكثيرين أمرا خارج السياق تماما وكأنه إسقاط لملفات السياسة الخارجية الأميركية الأكثر حساسية داخل إطار ثقافي لا صلة له بها مباشرة أونروا التي أنشئت عام 1949 لتقديم المساعدات الإنسانية والتنمية للاجئين الفلسطينيين ظلت لعقود جزءا أساسيا من المنظومة الدولية لمعالجة آثار النكبة غير أنها في السنوات الأخيرة تعرضت لحملة تشويه واسعة خصوصا التي مارستها إسرائيل إذ اتهمت المنظمة بـالتواطؤ مع جماعات فلسطينية مسلحة بل بـالمشاركة غير المباشرة في عملية طوفان الاقصى التي نفذها المقاومون الفلسطينيون في 7 أكتوبر تشرين الأول 2023 لاقت هذه المزاعم صدى داخل أروقة السياسة الأميركية فسعى بعض المشرعين إلى تصنيف الوكالة منظمة إرهابية على الرغم من أن هذا المقترح لم يقر رسميا إقحام مثل هذا الشرط في وثيقة ثقافية خاصة بالبينالي لا يمكن اعتباره مجرد تفصيلة إجرائية بل هو انعكاس مباشر لانحياز إدارة ترامب الصريح لإسرائيل في واحد من أكثر الملفات حساسية في الشرق الأوسط ومن زاوية رمزية فإن التشديد على منع أي دعم محتمل لـأونروا حتى على مستوى التمويل غير المباشر من خلال منح ثقافية يرسل رسالة قوية بأن واشنطن لا ترى في هذه الوكالة الأممية شريكا شرعيا بل تعتبرها جسما مشبوها هذا البند يثير تساؤلات عن طبيعة العلاقة بين السياسة والثقافة في السياق الأميركي فإذا كان الهدف من مشاركة الولايات المتحدة في البينالي هو التعبير عن تعددية المجتمع الأميركي وانفتاحه على العالم فإن إدخال شرط من هذا النوع يقلب المعادلة رأسا على عقب إن مثل هذا الشرط يجعل من الجناح الأميركي منبرا لسياسة خارجية أحادية ويحوله إلى امتداد لصراع جيوسياسي لا علاقة له بالفن بدلا من أن يكون مساحة للتبادل الثقافي الحر الأمر لا يخلو من مفارقة ففي الوقت الذي تصر فيه الإدارة على أن المشروعات الفنية المشاركة يجب أن تكون غير سياسية تأتي هذه الإضافة لتسيس المشاركة عبر تصفية حسابات مع مؤسسة إنسانية دولية مرتبطة بحقوق الفلسطينيين ما يجعل مشاركة الولايات المتحدة في البينالي محكومة سلفا بإطار أيديولوجي يختزل القيم الأميركية في انحياز واضح لإسرائيل ويقصي أي محاولة لمقاربة الفن من زاوية إنسانية شاملة تداعيات هذا القرار لا تتوقف عند حدود الساحة الفنية فالصورة التي تبنيها الولايات المتحدة لنفسها من خلال جناحها في البينالي هي صورة دبلوماسية بامتياز وإذا كانت هذه الصورة تطبع بعلامة الانحياز المسبق ضد الفلسطينيين فإنها بذلك تخسر كثيرا من قدرتها على الإقناع في عيون جمهور عالمي ينظر إلى الفن باعتباره مجالا للتنوع والحوار بل يمكن القول إن هذا البند وحده كفيل بأن يحول الجناح الأميركي إلى موضوع جدل دولي ليس بسبب ما سيعرض فيه من أعمال بل بسبب ما يحمله من رسائل سياسية متناقضة كان يفترض أن يشكل الجناح الأميركي نموذجا لانفتاح الولايات المتحدة على قضايا العالم الكبرى من التغير المناخي إلى العدالة الاجتماعية مرورا بالهجرة وحقوق الأقليات لكن إدخال أونروا في قائمة المحظورات يبعث برسالة معاكسة تماما مفادها أن المشاركة الثقافية الأميركية باتت محكومة بمعايير أيديولوجية ضيقة وأن صورة أميركا في العالم لم تعد ترسم عبر التعددية بل عبر حسابات سياسية آنية تصب في مصلحة طرف واحد من هنا فإن خطورة المسألة تكمن في رمزيتها فبينالي البندقية ليس مجرد معرض فنون بل هو مرآة كبرى للكيفية التي ترى بها الدول نفسها وتعرضها على العالم وإذ تختار الولايات المتحدة أن تجعل من مشاركتها مناسبة لتأكيد ولائها لإسرائيل حتى في التفاصيل الثقافية فإنها بذلك تقدم نفسها للعالم ليس بوصفها قوة حامية للتعددية بل طرفا منغمسا في صراعاته الداخلية والخارجية وهذه صورة يصعب على القوة الناعمة الأميركية أن تبررها أو أن تخفف من وطأتها مهما حاولت