إيران من تصدير الثورة إلى الانكفاء
لم يكن الصراع بين إيران والولايات المتحدة طارئاً في المنطقة أو حديث العهد، فمنذ قيام ما سُمّي بـالجمهورية الإسلامية عام 1979، وسيطرة نظام ولاية الفقيه على مفاصل الدولة، تبنّت طهران مشروعاً سياسياً أيديولوجياً يقوم على تصدير الثورة إلى محيطها الإقليمي تحت راية المقاومة. وبهذا المعنى نصّبت نفسها قائداً لما عُرف لاحقاً بمحور المقاومة في مواجهة النفوذ الأميركي في الشرق الأوسط، فيما واصلت واشنطن توصيف النظام الإيراني بوصفه أحد أخطر مصادر التهديد لاستقرار المنطقة ولمصالحها الاستراتيجية.
مرّ هذا الصراع بمحطات متناقضة، تراوحت بين الانغلاق والانفراج، وبين التهديد والاحتواء، لكنه لم يبلغ في أي مرحلة سابقة مستوى التعقيد والخطورة الذي يبلغه اليوم. فالإدارة الأميركية الحالية، التي يصح توصيفها بـأميركا الترامبية، لم تُربك إيران وحدها، بل أربكت الإقليم والعالم عبر إعادة صياغة قواعد التوازنات الدولية والإقليمية، لا من خلال تعديلات تكتيكية محدودة، بل عبر تغييرات تمسّ الأسس التي حكمت هذا الصراع لعقود.
المشهد الذي تواجهه طهران اليوم غير مسبوق في تاريخ علاقتها المتوترة مع إيران الثورة وأميركا الشيطان الأكبر. فواشنطن تتحرك هذه المرة برئيس يصعب التنبؤ بسلوكه أو بحدود ما ينوي فعله؛ رئيس غيّر قواعد اللعبة، وأربك لغة التخاطب الدبلوماسي، وبدّل أدوات الضغط والتهديد، وأعاد خلط موازين القوى التقليدية في المنطقة.
هل تقبل إيران بأن الشرق الأوسط قد تغيّر، وأن عليها أن تبدأ رحلة العودة إلى الداخل، فتنهمك في ترميم اقتصادها وتحسين حياة مواطنيها
يمارس دونالد ترامب أقسى مراحل الضغط على إيران، إلى حدّ وضعها أمام شروط صريحة تتعلق بالعودة السياسية إلى حدودها الجغرافية. فبعد عقود من التمدد الإيراني والنفوذ المتشعب في الشرق الأوسط، تُطالب اليوم بالتراجع وبالتخلي عن الحلم الذي راود أركان النظام منذ 1979، أي المشروع النووي، مع تذكير دائم بأن الولايات المتحدة كانت، ولا تزال، قادرة على إنهاء أنظمة كبرى كما حدث في العراق وليبيا، وكما حاولت في أكثر من ساحة.
ولا يقتصر الأمر على الملف النووي، بل يمتد إلى الترسانة الصاروخية الإيرانية، بوصفها مفتاح القوة الاستراتيجية لطهران. فالمطلوب، وفق
ارسال الخبر الى: