إيران في زمن الهدنة بين نشوة الانتصار وتحديات مرحلة التفاوض
81 مشاهدة
بينما كان الإيرانيون يحبسون أنفاسهم ترقبا لاحتمال استهداف محطات الكهرباء في البلاد وما كان سيترتب على ذلك من تداعيات تمس مختلف جوانب حياتهم اليومية تنفس كثيرون الصعداء مع إعلان وقف إطلاق النار ودخوله حيز التنفيذ في الموعد الذي كان الرئيس الأميركي دونالد ترامب قد حدده لبدء قصف تلك المنشآت وفي أجواء الارتياح هذه سرعان ما سادت في إيران رواية الانتصار إذ وصف المجلس الأعلى للأمن القومي الإيراني في بيان حول وقف إطلاق النار ما حدث بأنه انتصار عظيم ومع ذلك لا يزال لدى الأوساط الإيرانية تساؤلات وشيء من القلق حول ما إذا كانت هذه الهدنة ستقود فعلا إلى اتفاق في المفاوضات المرتقبة في باكستان يعكس حالة الصمود والمقاومة التي أبدتها البلاد خلال أربعين يوما من الحرب أم أن الولايات المتحدة قد تستغل فترة الهدنة التي تمتد لأسبوعين لإعادة ترتيب أوراقها وتعزيز قدراتها العسكرية في المنطقة قبل استئناف القتال وفي ظل هذه الأجواء لا تزال تفاصيل اتفاق وقف إطلاق النار غير واضحة بالكامل باستثناء توقف العمليات القتالية لمدة أسبوعين وإعلان بدء مفاوضات في باكستان كما لم يتضح بعد ما إذا كان الاتفاق يتضمن فعلا ترتيبات تتعلق برسوم المرور في مضيق هرمز خلال هذه الفترة وهو أمر ينظر إليه كثير من الإيرانيين باعتباره ورقة استراتيجية يمكن أن يبنى عليه في أي اتفاق مقبل يسهم في تعويض جزء من خسائر الحرب وتوظيفها أيضا في مواجهة العقوبات ولهذا تتجه الأنظار في إيران إلى المفاوضات التي يفترض أن تبدأ بعد غد في باكستان غير أن ما منح الإيرانيين قدرا ملحوظا من الثقة هو إعلان ترامب فجر اليوم الأربعاء أن المفاوضات ستجرى على أساس مقترح من عشرة بنود قدمته إيران إلى واشنطن وفي المقابل بدأ ملف شمول لبنان بوقف إطلاق النار يتحول إلى نقطة إشكالية فبينما أعلنت كل من إيران وباكستان أن التفاهم يشمل لبنان أيضا قالت إسرائيل إن لبنان مستثنى من الهدنة وهو ما قد يشكل تحديا إضافيا أمام تثبيت وقف إطلاق النار رواية الانتصار لا تقتصر رواية الانتصار على الخطاب الرسمي الإيراني التي كانت تنظر إلى الحرب باعتبارها معركة وجودية وفقدت فيها كبار قادتها في مقدمته المرشد الأعلى الراحل علي خامنئي بل تمتد أيضا إلى منتقديها حيث رأوا إلى جانب الكثير من معارضيها عند لحظة خاصة خلال الأسبوعين الأخيرين أن الحرب لا تستهدف نظام الحكم فحسب بل إيران في وجودها ومقوماتها بعدما دخلت مرحلة استهداف البنى التحتية وفي هذا السياق يقول الخبير الإيراني أحمد زيدآبادي المعروف بانتقاداته للسياسات الإيرانية إن ما حدث يعد انتصارا سياسيا لافتا لإيران مشيرا إلى أنه لن يسجل فقط في التاريخ بل يفتح أيضا أفقا من الأمل والثقة بالنفس للأيام المقبلة وأضاف زيدآبادي في حديثه مع العربي الجديد أن البلاد تكبدت أضرارا وخسائر كبيرة وتعرضت لجراح عديدة خلال الحرب إلا أن هذه الخسائر يمكن تعويضها في ظل شعور عام بالانتصار ما دام مسار الحكمة والتدبير لم يضع بحسب قوله وأوضح أن الإيرانيين لن يعودوا كما كانوا في الأمس مؤكدا أن الحرب ونتائجها أحدثت تغييرا كبيرا في الواقع الداخلي وأشار إلى أنه مهما كانت الانتقادات أو الأحكام السلبية تجاه بعض المسؤولين العسكريين والسياسيين في إيران أو ما قد يكون عاناه البعض منهم فإنه لا يمكن إنكار أنهم ظهروا خلال هذه الحرب الصعبة بشجاعة وكفاءة وبين أنهم تمكنوا رغم القصف المستمر بالصواريخ والقنابل والتهديدات الدائمة بالاغتيال من الحفاظ على تماسكهم وتوجيه ضربات للقوات المهاجمة فضلا عن تأمين احتياجات المواطنين الأساسية بما في ذلك توفير البنزين بكميات كبيرة وبأسعار منخفضة كما رأى زيدآبادي أن من أهم ما حدث أن صناع القرار لم ينجروا وراء ضغوط بعض المؤيدين المتحمسين أو المتشددين ولم يغلقوا باب الدبلوماسية لإنهاء الحرب معتبرا أن هذا النهج ساهم في نهاية المطاف في إبعاد هذا الخطر عن البلاد من جانبه يصف الخبير الإيراني المحافظ ميرجواد ميرغلوي بيات إنهاء الحرب بعد مواجهة بطولية بأنه بحد ذاته يعد انتصارا كبيرا لإيران وقال في حديث مع العربي الجديد إن الولايات المتحدة وإسرائيل لم تنجحا في تحقيق أي من أهدافهما الأساسية في حين تمكنت طهران بحسب قوله من تحقيق مكاسب مهمة من بينها فرض واقع جديد يتعلق بالسيطرة على حركة العبور في مضيق هرمز وتدمير قواعد أميركية في المنطقة ما يعني أن إيران حققت إلى حد كبير ما كانت تسعى إليه حتى الآن بحسب قوله وأوضح بيات أن رواية النصر لا يمكن أن تبنى على الكذب أو الهزيمة مؤكدا أن أي رواية مهما كانت ذات طابع دعائي لن تكون قابلة للتصديق إذا لم تستند إلى وقائع ملموسة وأضاف أن الخطاب الإعلامي وحده لا يصنع توازن القوى بل إن القوة الحقيقية للدولة والأمة سواء العسكرية أو المادية أو الفكرية هي التي تنشئ موازين القوة الجديدة على الأرض nbsp لماذا قبلت إيران بالهدنة المرفوضة سابقا وفيما كانت إيران ترفض بشدة أي وقف مؤقت لإطلاق النار لكنها وافقت عليه في نهاية المطاف ما أثار تساؤلات حول أسباب ذلك يوضح ميرغلوي بيات أن هذا الموقف لم يكن رفضا لمبدأ إنهاء القتال باعتبار أن وقف تبادل النار هو النهاية الطبيعية لأي حرب لكنه يشير إلى أن طهران كانت ترى أن قبول الهدنة يجب أن يأتي في لحظة يدرك فيها الطرف المهاجم استحالة تحقيق أهدافه وبعد أن تؤدي القوة العسكرية الإيرانية إلى فرض توازن فعلي في القوى ومعاقبة المعتدي وقبول شروط إيران وأضاف أن الوصول إلى مثل هذه اللحظة في ظل طبيعة الحرب غير التقليدية التي لا يمكن أن تستمر لفترة طويلة جعل توقف العمليات العسكرية خطوة أولى وطبيعية في مسار أي حرب كبيرة ولفت الخبير الإيراني إلى أن إعلان الرئيس الأميركي دونالد ترامب التفاوض على أساس المقترح الإيراني ذي النقاط العشر وهو ما عرض المجلس الأعلى للأمن القومي خطوطه العامة يعد مؤشرا على تحقيق مكاسب سياسية لطهران حتى لو تم الالتزام بجزء من هذه البنود وبين ميرغلوي بيات أن تقييم نتائج وقف إطلاق النار سيعتمد في المرحلة المقبلة على مجموعة من المؤشرات من بينها إدارة إيران لحركة الملاحة في مضيق هرمز واستعدادها لمنع إعادة تمركز القوة العسكرية الأميركية في المنطقة كما كان في السابق إضافة إلى موقفها تجاه الدول المجاورة وطبيعة التزاماتها تجاه حلفائها في محور المقاومة بدوره يرى الخبير الإيراني مصطفى نجفي أن وقف إطلاق النار المؤقت لا يعني نهاية الحرب لكنه سيسجل في تاريخ إيران باعتباره مرحلة أظهرت قدرة البلاد على الصمود في ظروف بالغة الصعوبة وأوضح في حديث مع العربي الجديد أن إيران رغم خضوعها لأشد العقوبات الاقتصادية والحصار على مدى عقود تمكنت من الصمود لما يقارب أربعين يوما في مواجهة قوة عظمى تمتلك أكبر ترسانة تسليحية في العالم التقليدية وغير التقليدية إضافة إلى إسرائيل بوصفها قوة نووية في المنطقة مشيرا إلى أن طهران استطاعت في الوقت نفسه توجيه ضربات مؤثرة وأضاف نجفي أن إيران كانت قبل قرنين من الزمن في كثير من الحروب تتعرض للاحتلال أو التقسيم إلا أن ما تحقق اليوم بحسب تعبيره يعكس مسارا مختلفا يقوم على إعادة بناء الاستقلال الوطني وإحياء الثقة بالذات على المستوى الوطني وتعزيز مكونات الثقافة الاستراتيجية الإيرانية بشكل عميق nbsp ماذا عن لبنان يعد سلوك إسرائيل أحد أبرز التحديات التي قد تواجه وقف إطلاق النار خلال الأسبوعين المقبلين بعدما أعلنت أن لبنان غير مشمول بالهدنة في حين أكد رئيس الوزراء الباكستاني شهباز شريف والجانب الإيراني أن وقف إطلاق النار يشمل عموم المنطقة بما فيها لبنان وفي هذا السياق يرى الخبير الإيراني هادي برهاني أستاذ الدراسات الإسرائيلية في جامعة طهران أن الموقف الإسرائيلي القائل إن لبنان غير مشمول بوقف إطلاق النار هو مناورة سياسية تهدف إلى الحفاظ على صورة إسرائيل وإظهارها بمظهر الطرف الذي ما زال يمتلك اليد العليا في الميدان وأوضح برهاني أن هذا الموقف لن يستمر لفترة طويلة مرجحا أن تتراجع إسرائيل في نهاية المطاف وتوقف هجماتها على لبنان أيضا وأشار إلى أن هذا الملف يحظى بأهمية كبيرة بالنسبة لإيران مؤكدا أن طهران لا يمكنها القبول باستمرار الهجمات الإسرائيلية على لبنان خلال فترة الهدنة خصوصا في ظل ما وصفه بـالتضحيات التي قدمها حزب الله وأضاف أن إيران ترى نفسها ملتزمة بالدفاع عن مصالح حزب الله ولبنان محذرا من أن إصرار إسرائيل على مواصلة هجماتها قد يعرض وقف إطلاق النار بأكمله للخطر كما لفت إلى أن امتلاك إيران أوراق ضغط من بينها سيطرتها على حركة الملاحة في مضيق هرمز يمنحها قدرة على ممارسة الضغط على الأطراف المختلفة ولا سيما الولايات المتحدة والقوى الدولية من أجل تثبيت وقف إطلاق النار ويرجح برهاني أن تتراجع إسرائيل في نهاية المطاف تحت ضغط الولايات المتحدة والقوى الدولية لكنه يؤكد أنه في حال لم يحدث ذلك فإن إيران على حد تعبيره لن تتراجع عن موقفها أيضا