حربا إيران وغزة اختبار لعلاقة بريطانيا وإسرائيل والحلفاء العرب
72 مشاهدة
لا حاجة إلى استطلاعات رأي لإثبات الحضيض الذي وصلت إليه سمعة إسرائيل بين البريطانيين في كل المسيرات منذ بداية حرب الإبادة الإسرائيلية على غزة والعدوان الأميركي الإسرائيلي على إيران تسمع مؤسسات الحكم البريطانية شعارات غاضبة تصف إسرائيل بأوصاف لم تكن متصورة من قبل وأبطلت فعالية اللوبي الإسرائيلي في ترهيب السياسيين البريطانيين وهذا هو حزب الخضر الذي لديه سبعة نواب في مجلسي اللوردات والعموم ونحو 950 عضوا في المجالس المحلية يصف إسرائيل دون تردد بالدولة المارقة المقترفة جرائم الإبادة الجماعية المنتهكة للقانون الدولي رغم كل هذه الشقوق الواضحة في صنم إسرائيل والخسائر التي تتكبدها بريطانيا بسبب إجرامها لا يبدو أن لدى السلطات البريطانية استعدادا لمجرد التفكير في مراجعة العلاقة مع إسرائيل نتنياهو شيء وإسرائيل شيء آخر منذ اعترفت بريطانيا في سبتمبر أيلول الماضي بالدولة الفلسطينية تسوق آلة الترويج الدعائي لحزب العمال الحاكم الاعتراف دليلا على إنصاف بريطانيا لحقوق الشعب الفلسطيني وتفهما لمعاناته وللغضب الشعبي في الشرق الأوسط على إسرائيل وتأييد الغرب بما فيه بريطانيا لها وجاء تجميد بريطانيا 29 ترخيصا فقط من إجمالي 350 لتزويد إسرائيل بقطع غيار عسكرية ليضخ بعض الدم في حملة سياسية يائسة تحاول غسل صورة بريطانيا المتواطئة مع جرائم إسرائيل سكوت لوكاس بريطانيا لن تعيد تقييم العلاقة مع إسرائيل إلا إذا واجهت انهيارا طويل الأمد في الشرق الأوسط يبدو أن الحملة أتت ببعض الثمار ومنها ترويج الانطباع بأن العلاقات بين المملكة المتحدة وإسرائيل تدهورت بشكل ملحوظ كما يعتقد كريس دويل مدير مجلس التفاهم العربي البريطاني كابو منذ الانتخابات العامة التي جاءت بحزب العمال للحكم وكير ستارمر رئيسا للحكومة في العام 2024 وفي حديث لـالعربي الجديد يسوق دويل فرض بريطانيا حظر التراخيص الجزئي وعقوبات على وزيريها المتطرفين العنصريين إيتمار بن غفير وبتسلئيل سموتريتش دليلا على هذا التدهور ويضيف يبدو أن هناك تواصلا محدودا على مستوى بريطاني رفيع مع القادة الإسرائيليين غير أن الحظر الجزئي لم يكن سوى إجراء ذي مغزى رمزي ولن يحدث أي فرق عملي مؤثر على سير الحرب على غزة كما يقول أزريل بيرمانت ومايكل ستيفينس الخبيران في المعهد الملكي للخدمات المتحدة روسي ورغم أن الخبيرين يريان في رؤيتهما التي نشرها روسي أخيرا أنه لا شك أن العلاقات بين إسرائيل والمملكة المتحدة قد تدهورت بشكل لافت بسبب حرب إسرائيل على غزة فإنهما يعتقدان أن البريطانيين حريصون على التأكيد على رمزية أي إجراء لأن بريطانيا مهتمة بأن تبين للرأي العام الإسرائيلي بأن إجراءاتها موجهة إلى حكومة بنيامين نتنياهو وليس إلى الدولة الإسرائيلية ككل فمؤسسة الحكم البريطانية قد تختلف مع الحكومات الإسرائيلية المتعاقبة لكنها لا تقف في وجه إسرائيل بوصفها كيانا هدفه الصريح هو الهيمنة على الشرق الأوسط وأبرز الشواهد هو موقف بريطانيا الفعلي من احتلال الأراضي الفلسطينية فرغم أن سياستها المعلنة هي أن الاستيطان غير مشروع والاحتلال مرفوض وضم الأراضي بالقوة غير قانوني فإن أفعال لندن تؤيد الاستيطان عبر تمكين المستوطنات من تصريف منتجاتها في الأسواق البريطانية وتبرير أفعال تل أبيب باعتبارها دفاعا عن النفس حتى بعد جرائم الإبادة الإسرائيلية في فلسطين بل إن بريطانيا سارعت لدعم الجيش الإسرائيلي تسليحيا واستخباراتيا بعد عملية طوفان الأقصى التي كانت من أفعال مقاومة الاحتلال الذي تعلن لندن دائما رفضه ووصلت سياسة دعم إسرائيل إلى حد استهانة صانع القرار البريطاني بالمحكمة الجنائية الدولية التي لطالما فاخرت لندن لسنوات بأنها من رواد تأسيسها أداة لتحقيق العدالة الجنائية الدولية بعد إصدارها أمرين باعتقال رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو وزير الأمن السابق يوآف غالانت بتهم ارتكاب جرائم ضد الإنسانية وبدا واضحا أن الهدف هو ألا تلطخ سمعة إسرائيل بالعار في سجلات العدالة الجنائية الدولية بريطانيا لم تدن الحرب على إيران لا يختلف موقف بريطانيا من الحرب الأميركية الإسرائيلية على إيران كثيرا عن موقفها من فلسطين فلم تدن بريطانيا حربا غير مبررة أطلقت شرارة نيران تحرق المنطقة وسكتت عن وصفها بالوصف المستحق وهو غير شرعية وأتاحت قواعدها للجيش الأميركي لمساعدته في عملياته العسكرية ليستمر بتدمير إيران ولم تظهر حتى الآن بوادر تشير إلى أن مؤسسة الحكم في بريطانيا تعبأ بالخسائر في الاقتصاد والسمعة الدولية والإقليمية بين حلفاء الخليج الذين يوصفون بالاستراتيجيين ولا حتى باحتمال أن يمنى حزب العمال الحاكم بخسائر فادحة في الانتخابات المحلية في السابع من الشهر المقبل هذه اللامبالاة تنبئ بأن المملكة المتحدة لن تعيد تقييم العلاقة مع إسرائيل إلا إذا واجهت انهيارا طويل الأمد في الشرق الأوسط كما يقول البروفيسور سكوت لوكاس أستاذ السياسة الدولية في معهد كلينتون بجامعة كوليدج دبلن وهذا الانهيار يجعل البريطانيين يقولون لأنفسهم هذا ما جلبته الولايات المتحدة وإسرائيل من زعزعة الاستقرار في المنطقة ومن ثم يتعين تقييم جدوى العمل معهما في المستقبل لكن الخبير الأيرلندي يستدرك في حديث مع العربي الجديد بالإشارة إلى أن السؤال هو إلى أي مدى يمكن أن تذهب بريطانيا في تغيير هذه العلاقة وينبه إلى أن هذا التغيير يتعين أن يراعي هجوم الإعلام المؤيد لإسرائيل وعلى رأسه شبكة جي بي نيوز المرتبطة بحزب الإصلاح اليميني الذي قد يتهم هيئات حزب العمال بالعداء للسامية كما ينبغي أن يضع في الاعتبار علاقة بريطانيا مع الولايات المتحدة ويؤيد مدير كابو كريس دويل الدعوة لإعادة النظر في العلاقات بين لندن وتل أبيب في ظل سلوك إسرائيل العدواني وغير القانوني والذي يشبه سلوك دولة مارقة الأمر الذي يتوجب معه على بريطانيا فرض المزيد من العقوبات على إسرائيل وفرض حظر كامل وشامل على جميع أشكال التجارة والخدمات المالية مع المستوطنات الإسرائيلية غير القانونية وتلقى هذه الدعوة قوة دفع شعبية أثمرت تراجع نواب بارزين عن تأييدهم التاريخي لإسرائيل ومن أبرزهم مارك بريتشارد عضو البرلمان عن حزب العمال لأكثر من 21 عاما ماذا تقول الوثائق لماذا تصر بريطانيا على هذا الموقف من إسرائيل دون أي بادرة لمجرد التوقف للتفكير في حسابات المكاسب والخسائر الوثائق أصدق إنباء من السياسيين إذ تكشف أن طبيعة العلاقة بين بريطانيا وإسرائيل ليست علاقة تحالف استراتيجي خاصة كالعلاقة مع الولايات المتحدة بل هي علاقة تعتبر التجمع الصهيوني في فلسطين امتدادا عضويا لجسد المملكة المتحدة أيا يكن انتماء حكامها السياسي ووفق وثائق وزارة الخارجية البريطانية فإنه متى طلب العرب من بريطانيا الضغط على إسرائيل للانسحاب إلى حدود الرابع من يونيو حزيران 1967 شرطا لأي تسوية تفضي إلى إقامة علاقات طبيعية معها يبدي البريطانيون تفهما لكنه مشروط بأن لإسرائيل أن تحدد مساحات الانسحاب والمقابل الذي ينبغي أن يدفعه العرب ولعل موقف بريطانيا من مسألة القدس ذات الأهمية البالغة للعرب والمسلمين في أنحاء العالم يوضح بجلاء أن أهمية إسرائيل بالنسبة للبريطانيين تفوق أهمية العرب ونفطهم ففي لقاء جمع وزير الخارجية البريطاني الأسبق ديفيد أوين مع وزير الخارجية السعودي الراحل الأمير سعود الفيصل في جدة في 12 مايو أيار 1977 قال السفير البريطاني الأسبق لدى الرياض آرثر جون ويلتون دون تردد أنه من الصعب تصور أنه يمكن الآن تحت أي ظرف أن يؤتى بالإسرائيليين للتنازل عن القدس نخبة لا تعرف حتى معنى الصهيونية يصف دانيال ليفي رئيس منظمة مشروع الولايات المتحدة للشرق الأوسط هذه العلاقة بأنها متفردة فإسرائيل التي تحمل شهادة ميلادها خاتما بريطانيا وضعه وعد بلفور الشهير كانت جزءا من الإمبراطورية البريطانية وهي الآن مستعمرة بريطانية في إطار دعم المشروع الصهيوني ويضيف ليفي المستشار السابق للحكومة الإسرائيلية والمفاوض السابق مع منظمة التحرير الفلسطينية خلال مفاوضات أوسلو أن وضع إسرائيل المتفرد بالنسبة لبريطانيا مستمر حتى يومنا هذا رغم مرور عقود على احتلال إسرائيل لفلسطين الانتدابية ورغم أنه من الصعب أن نرى استفادة بريطانيا من هذا فإن هذا يبدو التزاما تاريخيا لا يتزعزع متجذرا في النهج الأبيض السياسي البريطاني وهذا ما يفسر كما يقول ليفي لـالعربي الجديد تجذر هذا الالتزام في الخطاب السياسي البريطاني وفي تحيزات النخبة البريطانية التي لم تفكر في الأمر بجدية ولا تعرف حتى ماذا تعني الصهيونية يستبعد دانيال ليفي أن تغير بريطانيا موقفها التاريخي الراسخ من إسرائيل ما لم تجبر على دفع تكلفة فعلية في أي ظرف إذا يمكن أن تعيد بريطانيا النظر في العلاقة مع إسرائيل يرى البروفيسور سكوت لوكاس أن الحربين الإسرائيلية على غزة والأميركية الإسرائيلية على إيران وتبعاتهما تشجعان على إعادة ترتيب فعلي للتحالفات في السياسة الدولية في ظل أن إدارة الرئيس الأميركي دونالد ترامب لا يعتمد عليها ولا تؤمن بالتحالفات وأيضا في ظل زعزعة الاستقرار في أنحاء الشرق الأوسط وإيران وبرأيه فإن المصلحة البريطانية هي تاريخيا مع العرب وإيران ما يجعل لدول الخليج من الناحية الاقتصادية والعسكرية أهمية أكبر لبريطانيا من إسرائيل ويشير إلى أهمية الانتباه إلى أن ما نراه الآن هو النظر في إعادة تموضع العلاقات وإعادة دول الخليج النظر في مواقفها بما في ذلك علاقاتها مع الولايات المتحدة غير أن ليفي يستبعد أن تغير بريطانيا موقفها التاريخي الراسخ من إسرائيل رغم إعلان الأخيرة عن مشروعها للهيمنة على دول المنطقة بما فيها حلفاء بريطانيا في الشرق الأوسط ما لم تجبر على دفع تكلفة فعلية ويرى أن هذه التكلفة هي أن تلحق بمصالح بريطانيا في الشرق الأوسط أضرار فعلية مؤثرة وليس هناك أي طرف غير العرب يمكنه أن يفرض هذه التكلفة وهناك من يعول على أن الغضب الشعبي الداخلي والخسائر الاقتصادية وانهيار السمعة السياسية لدى الشارع العربي كل ذلك قد يدفع المؤسسة البريطانية الحاكمة إلى وقفة مع إسرائيل لكن ليفي لا يعتقد أن تلك أثمان كافية لأنها أثمان يمكن السيطرة عليها ولم تتحول إلى أفعال ملموسة موجعة ومن هذه الأفعال مقاطعة عربية للمملكة المتحدة وأن تعيد قطاعات رسمية بالدول الخليجية النظر في أعمال صناديق ثرواتها السيادية أو في العلاقات الأمنية العامة مع البريطانيين ورغم أهمية هذه الأدوات فإن الخبير البريطاني الإسرائيلي يحذر من أنه ربما يجب أن يتأثر الأمن بمفهومه المباشر في بريطانيا كي ينتبه البريطانيون إلى ضرورة إعادة النظر في العلاقات مع إسرائيل ويقول ربما يؤدي المزيد من إذلال الناس في الشرق الأوسط وإثارة غضبهم إلى التطرف وارتكاب البعض أعمالا تضر بالأمن على الأرض البريطانية ألا يمكن اعتبار الاعتراف بالدولة الفلسطينية التي يصر الإسرائيليون على رفضها شاهدا على بوادر لإدراك البريطانيين أن الوقت قد حان لأن يقولوا لا للمستعمرة الصهيونية في فلسطين صحيح أن قيادة منظمة التحرير تعتبر برأي ليفي اعتراف بريطانيا بدولة فلسطينية إنجازا هائلا لها غير أن الحقيقة هي أن بريطانيا الآن لديها علاقة ثنائية أقوى مع دولة غير موجودة غير قادرة على فعل شيء لمحاسبة إسرائيل أو لتحدي إفلاتها من العقاب غير قادرة على أن تفرض على بريطانيا أن تفكر في حسابات الخسائر والمكاسب في العلاقة مع إسرائيل