إيتيل عدنان مئة عام من النقاء
تفتتح إيتيل عدنان قصيدتها كتاب الليل، التي نشرتها مجلة مواقف (في العدد 66، فبراير/شباط 1992) بترجمة عابد عازريه، بقولها: شتاءٌ ملء الصيف،/ فجرٌ بصوتٍ أليم/ اليقظة في نهاية الليل/ سقوطٌ في القلب المتوهّج لليلٍ تالٍ. ثالوث البحر والجبل والليل، كما ترسمه لوحتها وقصيدتها، مشغولٌ من ذاكرةٍ عتيقة تختلط فيها مشاعر الحنين والاغتراب والهوية المركّبة، باستعادةٍ لانتماء كنعانيّ قديم.
في البدء، ظهر جبلٌ لينقذ حياتها، بحسب ما تروي الفنانة والشاعرة اللبنانية، التي نُظّمت لها معارض استعادية عدّة في الولايات المتحدة وأوروبا والمنطقة العربية خلال العام الجاري احتفالاً بمئويتها. كان ذلك عام 1958، حين قرّرت إيتيل، بعد تعيينها أستاذةً للفلسفة في كلية دومينيكان كوليج بولاية كاليفورنيا الأميركية، أن ترسم جبل تمالبيس القريب من بيتها، والذي شكّل نقطةً مرجعية ظلّت تدور حولها على مدار عقود.
تبدو الطبيعة جسداً عارياً أو منكشفاً على الشمس والريح
وكان بعده البحر، الذي يقع على الضفة الأخرى من البيت؛ ماءٌ على اتساع المحيط الهادئ، تصفه في كتاب بحر وضباب بالقول: الطبيعة الأنثوية للمادة تنبثق كجوهرٍ للبحر. هناك فقط يلتقي الأزرق، بتدرّجات مختلفة وألوان أخرى يتلوّن بها أحياناً، جبلاً في فضاءٍ ممتدّ لا بداية له ولا نهاية، يحاكي بذلك تداخلات الانتماء لديها: سورية ولبنانية ويونانية، وكذلك الهجرة المبكّرة إلى أميركا، والإقامة هناك عقوداً ثم انتقالها إلى باريس قبل رحيلها بنحو عشر سنوات، لتتحوّل حياتها في ثلاث قارّات إلى لوحة/ كتاب مفتوح بمساحات لونية محدودة ومفردات تشكيلية بسيطة، لكنها خلقٌ لكونٍ جديد.
أما الليل، فيمثّل عند إيتيل مفهوماً بالمعنى البصري والفلسفي، أكثر منه مشهداً في عملٍ فني أو وصفاً في قصيدة؛ وكأنه نقطة تشكُّل العالم عند كل استيقاظ، تتجاوز ما هو ماديّ ومحسوس إلى الروحي، بصيغته المطلقة والشمولية، التي تحيل إلى قوةٍ كلّية غامضة، وإلى حضورها في العتمة كتجلٍّ معادلٍ للضوء الذي لا يغادر لوحتها، لكنه يتحوّل من نهارٍ إلى ليل، وعبر كل فصلٍ من الفصول الأربعة، ومن زمنٍ إلى آخر. إنه الليل الذي تحبّه إيتيل، وتحب منظر
ارسال الخبر الى: