إنجيل العزلة
يطيب لي أنْ أُمضي الوقتَ الغفير في هذه الغرفة، وأنا لا أفعل شيئاً مفيداً. تحتلّني هذه الغرفة احتلالاً مخدِّراً، يشبه الغفلة، وقد يشبه الانخطاف. صدِّقيني أيّتها المرايا التي يرتسم عليها وجهي، وتتراءى على صفحاتها خفايا رأسي، في مقدوري أنْ أُمضي أيّاماً متتالية، بلياليها، في هذه الغرفة، من دون أنْ أشعر بالرغبة في مغادرتها إلّا لسدّ جوعٍ وعطش. لا ضجر، لا ملل، ولا ضيق نفس. لا شيء يمكنه أنْ يقتلعني ممّا أنا هنا فيه. كلّ ما يُغوي، ويصخب، في العالم الخارجيّ، يصير في لحظةٍ واحدة، هباءً بهباء. هنا، يُختَصَر العالم الحقيقيّ بالصمت، بالمعنى، بالوجد، بموسيقى لا يُسمَع لها عزفٌ ولا رنين. حتّى لَأجدني أقول متسائلاً: مَن يستطيع أنْ يغلب هذا العالم؟! لا البحث عن المال، لا الشهرة، لا العلاقات الاجتماعيّة، لا المجاملات، لا مآدب الأكل، لا الشراب، لا الترف، لا الجاه، ولا المقامات الزائلة. أنا هنا مَلِكٌ غنيّ، فمَن مثلي!
لا ينفصل معنى الغرفة عندي عن معنى البيت برمّته. الأشياء هنا، مرتَّبةٌ كالنظام الكونيّ. وأحيانًا مضطربة، على طريقة الاضطراب الكونيّ أيضاً. يجب أنْ تعرف هذه الأشياء أنّها عندي كائناتٌ مطلقة، لا لأنّ دلالاتها شخصيّة، بل لأنّها تُضفي على الوجود الحسّيّ الكثير من تخييل الروح. أقصد الأشياء في ذاتها، الأشياء العارية، لا الأشياء المضافة. الجدران هي، مثلًا، بعضٌ من كائناتي القلبيّة. كذا هي الشبابيك، الطاولات، ألواح الزجاج، الكراسي، اللمبات، المرايا، الأبواب، المقابض، الدرابزين وقطع الحديد الأخرى. كلّما ارتمتْ لمسةٌ أو نظرةٌ على هذه الأشياء، صارت تنمو مثلما تنمو الرئتان بخفقات الهواء وصهيل الأفكار. أتحدّث عن رأسي الذي هو صلة الوصل المكهرَبة بالعالم. لهذا أشعر وأنا أدخل إلى البيت، أو جالساً في غرفة الاستقبال، أو وراء مكتبي، أو متّكئاً على الزجاج البحريّ، بأنّي على وشك امتلاك النقصان كلّه. بعد قليل، سأفترض أنّ المعنى واللّامعنى، الجدوى واللّاجدوى، اليأس والأمل، الملء والفراغ، الحسّ والعدم، لا بدّ أنْ تصبح بعضًا من ممتلكاتي غير القابلة للنفاد. وبقدْر ما أشعرُ حينذاك بالبحبوحة، أشعرُ بالاكتفاء غير القابل للاكتفاء. وكم،
ارسال الخبر الى: