إقبال على سبائك الذهب في الخليج وتراجع شراء مشغولات الزينة
47 مشاهدة
شهدت أسواق الذهب ارتفاعا غير مسبوق يعيد تشكيل أسواق المجوهرات في دول مجلس التعاون الخليجي ولا سيما مع تقاطع هذا الارتفاع مع التوترات الجيوسياسية والتحديات الاقتصادية التي تؤثر في القوة الشرائية والاستقرار النقدي والفرص الاستثمارية وبلغت نسبة الارتفاع نحو 18 منذ بداية العام الجاري ليتجاوز سعر الأونصة 5100 دولار أول من أمس وقد انعكس هذا الارتفاع مباشرة على أسواق صياغة الذهب المحلية غير أن الطلب على المجوهرات لم ينهر ففي السعودية ارتفع الطلب بنسبة 35 على أساس سنوي رغم زيادة الأسعار بمعدلات مماثلة ما يعكس الجذور الثقافية العميقة للذهب في المنطقة في المقابل شهدت الإمارات والكويت انخفاضا في الطلب على المجوهرات الثقيلة بنسبة 16 مع توجه المستهلكين نحو قطع أخف وزنا حسب تقرير نشرته منصة غلف نيوز وحول تأثير ذلك في التضخم والقوة الشرائية يتوقع تقرير نشره صندوق النقد الدولي استمرار معدلات التضخم في دول الخليج عند مستويات منخفضة لا تتجاوز 2 في عام 2026 معتبرا أن هذا الاستقرار يشير إلى أن ارتفاع أسعار الذهب لا يترجم إلى ضغوط تضخمية عامة على الاقتصاد غير أن المستثمرين الأفراد يضطرون إلى تخصيص موارد مالية أكبر للحصول على الكمية نفسها من الذهب ما يؤثر في قوتهم الشرائية الفعلية للسلع الأخرى ولا تزال عملات دول الخليج مربوطة بالدولار الأميركي منذ عقود وقد أثبت هذا الربط قدرا كبيرا من الاستقرار خلال الأزمات المالية العالمية بحسب تقرير نشرته مؤسسة بروكينغز مشيرا إلى أن البنوك المركزية الخليجية ملزمة باتباع سياسات الاحتياطي الفيدرالي بما يضمن الحماية من تقلبات أسعار الصرف إلا أن الارتفاع في أسعار الذهب قد يعكس جزئيا رغبة البنوك المركزية في تنويع احتياطياتها بعيدا عن الاعتماد الكامل على الدولار وفق تقدير نشرته وكالة فايننس ماغنيتس توازن مختل في هذا السياق يشير الخبير الاقتصادي والمستشار المالي علي أحمد درويش في حديثه لـالعربي الجديد إلى أن المستثمرين الأفراد لا يلجؤون إلى الذهب بوصفه أصلا ماليا فحسب بل أيضا في صورة سبائك أو قطع ذهبية يحتفظون بها في منازلهم ما أدى إلى زيادة الطلب عليه بشكل ملحوظ ويؤكد أن الارتفاع الحاد في أسعار الذهب عالميا يؤثر في سوق الصياغة المحلي الذي يعتمد أساسا على تصنيع الحلي والمجوهرات المستخدمة في المناسبات الاجتماعية فعلى السعر العالمي للذهب تضاف تكلفة المصنعية أي أجور التصميم والتشكيل والتصنيع ما يرفع التكلفة النهائية على المستهلك ومع تراجع القوة الشرائية يتوقع درويش أن يشهد الطلب على المشغولات الذهبية تراجعا نسبيا خاصة في ظل ارتباط العملات الخليجية بالدولار الأميركي الذي يشكل مرجعية أساسية لتسعير الذهب عالميا ويضيف أن السياسات النقدية الأميركية مثل إضعاف الدولار لتعزيز تنافسية الصادرات تؤثر بدورها في الاقتصادات الخليجية إذ يؤدي انخفاض القيمة الشرائية للدولار إلى تراجع مماثل في القوة الشرائية للمستهلكين في دول الخليج حتى لو ظلت الأسعار المحلية مستقرة نسبيا ويؤكد أن مؤشرات استهلاك الأسر تظهر بالفعل تراجعا ملحوظا في القوة الشرائية خلال عام 2025 ما ينعكس مباشرة على الإنفاق على السلع الكمالية وفي مقدمتها الذهب المصوغ وبالنظر إلى عام 2026 يرى درويش أن التوازن السابق بين القوة الشرائية وأسعار الذهب قد اختل بفعل الارتفاع الاستثنائي الأخير ورغم وجود دوافع اقتصادية ودولية من بينها التنافس الجيوسياسي بين الولايات المتحدة والصين تدفع نحو استمرار ارتفاع الأسعار فإنه يستبعد قدرة السوق على استيعاب زيادات إضافية فلكية من دون عواقب اقتصادية واسعة وانطلاقا من ذلك يتوقع درويش أن تستقر أسعار الذهب خلال عام 2026 في نطاق يتراوح بين 4500 و6000 دولار للأوقية وهو مستوى وصفه بالتاريخي لكنه يظل دون عتبة الإرهاق الكامل للقدرة الشرائية العالمية شراء قطع أخف وزنا من الذهب في السياق نفسه يرى المحلل الاقتصادي مازن أرشيد أن ارتفاع أسعار الذهب عالميا يؤثر مباشرة في سوق المجوهرات بدول الخليج عبر زيادة تكلفة السبائك التي تمثل المادة الخام الأساسية ما يدفع المصانع ومحال الصياغة إلى رفع أسعار المشغولات المقدمة للمستهلكين وغالبا ما يؤدي هذا الارتفاع إلى تراجع مؤقت في الطلب على ذهب الزينة المرتبط بالمناسبات الاجتماعية مع توجه المستهلكين إلى شراء قطع أخف وزنا أو تأجيل الشراء إلى حين استقرار الأسعار ويضرب أرشيد مثالا عند بدء تجاوز سعر الذهب 4000 دولار للأوقية إذ سجل انخفاض ملحوظ في مبيعات الذهب المشغول في مراكز تجارية رئيسية مثل دبي والرياض مقابل ارتفاع الإقبال على أشكال الذهب الاستثماري كالسبائك والعملات ومع ذلك تبقى هذه الأسواق مرنة نسبيا بفعل العادات الاجتماعية الراسخة التي تربط اقتناء الذهب بالمناسبات الأسرية ورغم أن الذهب لا يعد مكونا رئيسيا في سلة التضخم المعتمدة في دول الخليج التي تركز على الغذاء والطاقة والإسكان فإن تأثيره في القوة الشرائية للأفراد يظل ملموسا وفق المحلل الاقتصادي ويشير أرشيد إلى أن استقرار العملات الخليجية المرتبطة بالدولار يجعل السياسات النقدية والمالية وليس تحركات الذهب الأداة الأساسية للسيطرة على التضخم معتبرا أن ارتفاع الذهب قد يلعب دورا داعما في تعزيز ثقة الأسواق بقدرة دول الخليج على الحفاظ على استقرار عملاتها وفي ظل الارتباط الثابت بين العملات الخليجية والدولار تكتسب احتياطيات الذهب أهمية استراتيجية ضمن الاحتياطيات الأجنبية الكلية ويلفت أرشيد إلى أن البنوك المركزية الخليجية لجأت خلال فترات الأزمات مثل جائحة كورونا والتوترات الجيوسياسية إلى زيادة مشترياتها من الذهب لتنويع أصولها والتحوط من تقلبات الأصول الأخرى بما يعزز متانة الغطاء الاحتياطي للعملات المحلية وبالنظر إلى عام 2026 يعرض أرشيد سيناريوهين محتملين لمسار الذهب الأول تشاؤمي قائم على استمرار عدم الاستقرار الجيوسياسي أو حدوث ركود اقتصادي عالمي وقد يدفع الذهب إلى مستويات تتجاوز 5500 دولار للأوقية ما يجعل الاستثمار فيه خيارا مربحا خاصة مع تراجع أداء أصول أخرى مثل الأسهم أما السيناريو المتفائل القائم على تعافي الاقتصاد العالمي وارتفاع أسعار الفائدة فيرجح تراجع الذهب إلى نطاق 4000 4200 دولار ليصبح أقل جاذبية بوصفه أصلا استثماريا مع احتفاظه بدوره أداة تحوط داخل المحافظ المتنوعة ويشير أرشيد إلى أن توقعات البنك الدولي ومجلس الذهب العالمي ترجح بقاء الذهب عند مستويات مرتفعة على المدى المتوسط مدفوعا بمشتريات البنوك المركزية العالمية بما فيها الصين والهند وتركيا ودول الخليج التي اشترت مجتمعة أكثر من 1000 طن خلال عام 2024 ويخلص أرشيد إلى توصية المستثمر الخليجي بتخصيص ما بين 10 و15 من محفظته للاستثمار في الذهب أو الصناديق المرتبطة به مع النظر إلى فرص موازية مثل أسهم التجزئة الفاخرة أو الصناديق العقارية ذات العوائد المستقرة مؤكدا أن مراقبة سياسات البنوك المركزية الخليجية واتجاهات أسعار الفائدة الأميركية تبقى عاملا حاسما في فهم مسار الذهب واتخاذ قرارات استثمارية مدروسة