فن إغراء الجماهير السياسية المعاصرة في لقطات أسطورية
43 مشاهدة
العائلة المالكة على شرفة باكنغهام تتحول في عين المؤلف إلى آلهة على قمة الأولمب والطاولة الطويلة بين بوتين وماكرون تشبه متاهة كريت صورة خافيير ميلي مع المنشار تتجسد معركة أسطورية ورحلة بيدرو سانشيز في سيارته تتحول إلى عودة البطل وصراع أورسولا فون دير لاين على كرسي بروتوكولي يقرأ نسخة جديدة من مقاومة النساء عبر التاريخ هذه المشاهد كلها نراها يوميا في الأخبار لكن توني آيرا الصحافي والأكاديمي المتخصص في الاتصال السياسي يراها جزءا من سرد أعمق إنها امتداد للأساطير القديمة التي ما زالت تتحرك في وجداننا الجماعي حتى ونحن لا ننتبه إلى ذلك في كتابه الصادر حديثا أسطوريون فن إغواء الجماهير ديباتي 2025 يعيد آيرا ترتيب المشهد السياسي في عالم يهيمن فيه البصري على الكلمة يؤكد الكتاب منذ البداية أن الصور السياسية الأيقونية لا تولد بالمصادفة فكل مشهد وكل إيماءة وكل رمز يصاغ بوعي وحساب دقيق كما تصاغ الأساطير لتدوم وتؤثر فالصور توقظ الذاكرة وتستدعي الانحياز وتثير الانتباه بطريقة تتجاوز أي خطاب مكتوب ومن هنا يقرأ آيرا المشاهد السياسية المعاصرة لقطات ميثيولوجية حديثة ميلي يحمل منشارا كأنه بيرسيوس يواجه ميدوسا ترامب بقبعته الحمراء يرمز إلى هرمس السريع والماهر مادورو ببدلته الرياضية يبدو كهرقل وسانشيز في رحلته البسيطة يشبه أوديسيوس العائد من منفاه هذه الرموز ليست مجرد استعارات إنها دلائل على استمرار الأسطورة في تشكيل الزعامة والإحساس الجمعي الصور السياسية الأيقونية تصاغ بدقة ولا تولد بالمصادفة يتضح للقارئ أن الواقع السياسي نفسه يستدعي الأسطورة وأن السياسيين عن قصد أو بدونه يتحركون داخل معجمها وفي هذا السياق يرى آيرا أن الديمقراطية الحديثة صارت أكثر من مجرد برامج وسياسات فهي مسرح للرموز حيث يتفاعل الجمهور مع الصورة قبل الفكرة ويختار القائد كما يختار البطل ويتأثر بالزي كما يتأثر بالأسطورة لا يغفل الكتاب دور المستشارين السياسيين الذين يسميهم المؤلف الميثولوجيون المعاصرون صناع المشهد الذين يحولون التفاصيل العابرة اختيار السيارة زاوية الصورة لون الملابس المكان إلى رموز قادرة على صناعة زعامة وتأثير جماهيري وفي زمن الخوارزميات يذكرنا الكتاب بأن الخيال البشري لا يزال القوة المحركة للمسرح السياسي وأن القدرة على الإقناع بالرمز البصري لها حد أخلاقي فقد تلهم أو تخدع توحد أو تستغل يقدم الكتاب أيضا فكرة ثقافية جذابة فهو يظهر كيف أن الأساطير الإغريقية تخلت عن كونها محتوى أكاديميا وصارت جزءا من الثقافة الشعبية في الميمات والشعارات والإطلالات التلفزيونية رؤساء يشبهون أبطالا قدامى وملوك يعتلون شرفاتهم كآلهة أولمبية وسياسيون يبنون مسارهم على قصة أوديسية أو هرقلية الأسطورة لم تمت لقد ارتدت قبعة أو جاكيتا رياضيا أو التقطت سيلفي في زمن تتجاوز فيه الصورة معنى الحدث وتصبح هي الحدث نفسه يقدم آيرا كتابا يكشف الجانب الخفي من السياسة طقوسها رموزها ومخزونها الأسطوري الذي لم يختف ضمن هذا السياق يمكن قراءة الكتاب بوصفها محاولة لتفكيك البنية اللاواعية للخطاب المعاصر وللمسافات القصيرة التي تفصل بين السلطة والأسطورة وبين القائد والصورة التي تسبقه دائما