في خضم التحولات العميقة التي تشهدها السياسة الدولية منذ السابع من أكتوبر تشرين الأول 2023 لم تعد إسرائيل تتحرك ضمن الدوائر التقليدية لعلاقاتها الخارجية بل باتت تبحث عن مساحات هامشية جديدة جغرافيا وسياسيا لتعويض ما فقدته من صورة وشرعية دولية بفعل حربها على قطاع غزة وفي هذا السياق يبرز التقارب الإسرائيلي المتزايد مع إقليم صوماليلاند بوصفه خطوة غير مألوفة لكنها محسوبة تحمل دلالات تتجاوز بعدها الثنائي وتمس توازنات القرن الأفريقي انقسم العالم كما في محطات سابقة في تعاطيه مع العدوان الإسرائيلي على غزة إلى ثلاثة اتجاهات رئيسية دول اعتبرت ما يجري حرب إبادة وانتهاكا صارخا للقانون الدولي وأخرى اصطفت خلف إسرائيل تحت شعار الدفاع عن النفس وثالثة التزمت الصمت أو الحياد مطالبة بـضبط النفس هذا الانقسام لم يقتصر على الفضاء الغربي أو العربي بل انسحب على أفريقيا أيضا حيث تباينت المواقف بين دول داعمة للحقوق الفلسطينية وأخرى فضلت الحفاظ على شراكاتها مع تل أبيب وكيانات هامشية رأت في اللحظة فرصة لإعادة التموضع من هنا يطرح تساؤل مركزي لماذا تتحرك إسرائيل باتجاه صوماليلاند في هذا التوقيت تحديدا وما الذي يدفع إقليما غير معترف به دوليا إلى الانفتاح على دولة تواجه اتهامات متصاعدة بارتكاب جرائم حرب في غزة صوماليلاند دولة بحكم الأمر الواقع أعلنت صوماليلاند انفصالها من جانب واحد عن الصومال عام 1991 عقب انهيار الدولة المركزية في مقديشو ومنذ ذلك الحين نجح الإقليم في بناء مؤسسات حكم محلية وتنظيم انتخابات دورية وفرض مستوى من الاستقرار الأمني جعله يقدم أحيانا بوصفه نموذجا مختلفا داخل الفضاء الصومالي المضطرب غير أن هذا الاستقرار لم يترجم إلى اعتراف دولي وبقي الإقليم خارج منظومة الأمم المتحدة والاتحاد الأفريقي هذا الوضع القانوني الهش جعل صوماليلاند تبحث باستمرار عن شركاء خارجيين يمنحونها شكلا من أشكال الشرعية السياسية أو الاقتصادية حتى وإن كانت ناقصة أو غير رسمية وفي المقابل ترى إسرائيل في هذا الفراغ فرصة لعقد شراكات منخفضة الكلفة الدبلوماسية بعيدا عن الأطر القانونية والمؤسسية التي باتت تقيد حركتها في ظل حرب غزة الاعتراف بوصفه أداة سياسية لا يمكن فهم التقارب الإسرائيلي مع صوماليلاند بمعزل عن السياق الأوسع لحرب غزة فإسرائيل التي تواجه ضغوطا غير مسبوقة في المحافل الدولية باتت تدرك أن اختراق المركز الدبلوماسي أصبح أكثر كلفة ما يدفعها إلى العمل في الهوامش حيث تقل الضغوط وتدار العلاقات بعيدا عن الأضواء في هذا الإطار لا يقرأ الاعتراف أو التقارب مع كيان غير معترف به دوليا بوصفهما خطوة رمزية فحسب بل أداة سياسية تستخدم لإيصال رسائل متعددة أولها أن إسرائيل لا تزال قادرة على توسيع شبكة علاقاتها رغم الحرب وثانيها أن العزلة الدولية ليست شاملة وثالثها توجيه رسالة غير مباشرة إلى خصومها بأن أدوات الحركة لم تستنفد بعد أبعاد أمنية تتجاوز السياسة إلى جانب البعد السياسي يبرز البعد الأمني بوصفه أحد دوافع هذا التقارب فالقرن الأفريقي يعد منطقة حساسة استراتيجيا نظرا إلى قربه من البحر الأحمر وخطوط الملاحة الدولية ومن هذا المنظور فإن أي موطئ قدم ولو غير رسمي يمثل مكسبا استراتيجيا لإسرائيل ينسجم مع سياستها طويلة الأمد في تصدير الخبرات الأمنية والاستخبارية مدخلا لبناء نفوذ إقليمي في ما يخص صوماليلاند يدار هذا التقارب بمنطق براغماتي صرف إذ يشكل التعاون الأمني مع إسرائيل فرصة لتعزيز قدراتها في مواجهة التهديدات الداخلية والإقليمية وترسيخ موقعها كيانا مستقرا مقارنة بمحيطه غزة والسيناريوهات المؤجلة ولا ينفصل هذا التقارب عن نقاشات أوسع أثيرت في الأشهر الماضية حول سيناريوهات إعادة توطين فلسطينيين من قطاع غزة بصورة دائمة خارج أراضيهم وهي أفكار طرحت علنا خلال لقاء جمع الرئيس الأميركي دونالد ترامب برئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو في فبراير شباط 2025 وبحسب تقارير إعلامية جرى تداول أسماء دول في شرق أفريقيا من بينها الصومال بوصفها مناطق محتملة لمثل هذه الخطط ورغم نفي حكومتي الصومال وصوماليلاند وجود مبادرات رسمية بهذا الشأن يضفيnbsp عليه حساسية الملف وتوقيت هذا التقارب دلالات إضافية ولا سيما في ظل استعداد الصومال لتولي الرئاسة الدورية لمجلس الأمن الدولي وفي لحظة سياسية إقليمية ودولية شديدة التعقيد دلالات أبعد من الاعتراف في المحصلة يمكن قراءة التقارب الإسرائيلي مع صوماليلاند بوصفه جزءا من سياسة أوسع تقوم على توسيع هامش الحركة خارج المركز الدولي عبر بناء علاقات جانبية منخفضة الكلفة السياسية مع كيانات تبحث بدورها عن دعم خارجي يعزز موقعها ولو خارج إطار الاعتراف الدولي الكامل وهو مسار يعكس إدارة محسوبة للعزلة أكثر مما يشير إلى اختراق دبلوماسي فعلي