إخلاء الضاحية الجنوبية ذعر ونزوح وليل بارد في العراء
43 مشاهدة
مجددا ذاق أهالي الضاحية الجنوبية لبيروت ويلات النزوح بعد الإنذار الإسرائيلي الشامل لكنه كان هذه المرة من الأصعب خرجوا بالآلاف على عجل وقضوا ليلتهم على الأرصفة أو داخل السيارات غارقة في الخوف وعدم اليقين وسط ضوضاء مرعبة هكذا بدت الضاحية الجنوبية لبيروت بعد ظهر الخميس وكأنها مدينة على حافة الرحيل إنذار إسرائيلي جديد دعا السكان إلى مغادرة منازلهم فورا بعد يوم واحد فقط من أوامر إخلاء طاولت القرى الواقعة جنوب نهر الليطاني في جنوبي لبنان خلال دقائق تحولت شوارع الضاحية إلى موجة بشرية هاربة سيارات متلاصقة دراجات نارية محملة بأكثر مما تحتمل وعائلات تهرول على الأقدام بحثا عن مكان آمن لم يكن الإنذار الإسرائيلي هذه المرة كسابقاته إنما شكل تطورا خطيرا ولافتا بعد أن طالب بإخلاء أحياء ومناطق واسعة من الضاحية الجنوبية وحدد خطوط الإخلاء للأهالي ما أثار الهلع والارتباك بين صفوف العائلات خصوصا بعد تداول معلومات حول نية جيش الاحتلال تدمير الضاحية الجنوبية بأكملها وتحويلها إلى ما يشبه خانيونس في قطاع غزة قبل أن يشن الطيران الإسرائيلي ليل الخميس الجمعة موجة غارات على الضاحية التي يقدر عدد سكانها بين 600 و800 ألف نسمة بحسب وكالة فرانس برس في الشياح وبرج البراجنة وحارة حريك والحدث مناطق الضاحية عمت حالة من الذعر بعض السكان غادروا على عجل من دون حقائب أو خطط أو أي وجهة يدركونها والبعض الآخر سارع إلى حمل ما تيسر من أمتعة وأغراض بينما اكتظت الشوارع الرئيسية والفرعية المؤدية إلى بيروت شرقا وغربا في مشهد نزوح فوضوي فقد هرع سكان الضاحية بالآلاف من المواطنين والمقيمين واللاجئين الفلسطينيين يقع في نطاقها مخيم برج البراجنة رفقة أطفالهم وكبار السن والمرضى وذوي الاحتياجات الخاصة ما سبب أزمة سير خانقة بسبب حركة النزوح الكثيف نحو محافظات بيروت وجبل لبنان والشمال وعلق النازحون لساعات في الشوارع حين شاهد علي حجازي وهو أب لولدين يقطن في الشياح الأخبار والتحذيرات الإسرائيلية حاول مغادرة الضاحية الجنوبية بسيارته ظن في البداية أن الأمر لن يستغرق سوى دقائق خروج سريع قبل أن تشتد الزحمة لكن الرحلة القصيرة تحولت سريعا إلى مأزق طويل خلال وقت قصير شلت الطرقات بالكامل وتكدست السيارات في طوابير لا تتحرك يقول إن الزحمة الخانقة ابتلعت الطريق ولم يعد ممكنا التقدم مترا واحدا عندها لم يكن أمامه خيار سوى ترك السيارة ركنها على جانب الطريق القديمة المؤدية إلى مدينة صيدا جنوب ثم حمل ما استطاع من الأغراض وتابع الطريق سيرا على الأقدام مع عائلته نحو منطقة الطيونة في بيروت التقيناه هناك جالسا على الرصيف يلتقط أنفاسه بعد ليلة طويلة وصعبة يقول لـالعربي الجديد لم نغادر في وقت أبكر لأننا ببساطة لا نستطيع ليست لدينا الإمكانات لاستئجار منزل خارج الضاحية كما أن البقاء في مدرسة تستقبل نازحين سيكون مرهقا جدا تلك الليلة بات علي وعائلته على الرصيف في الطيونة كانت تمر من أمامهم موجات بشرية متعبة تحمل ما تيسر من الأغراض من بطانيات وحقائب صغيرة إلى جانب أطفال يجرون أقدامهم بصمت كأن المدينة كلها خرجت دفعة واحدة من بيوتها دراجة واحدة لستة أشخاص لم يكن مشهد النزوح أقل قسوة في الأزقة الضيقة لمنطقة حارة حريك هناك حيث الشوارع أصلا لا تكاد تتسع للسيارات تحول الخروج إلى سباق مع الوقت بين السيارات المتوقفة والنازحين المتدافعين حاولت العائلات المغادرة بأي وسيلة ممكنة عائلة مؤلفة من رجل وزوجته وأربعة أطفال لم تجد سوى دراجة نارية واحدة جلس الأب في المقدمة فيما تكدست العائلة كلها خلفه على المقعد الضيق متلاصقين يتشبث كل منهم بالآخر يشقون طريقهم ببطء بين السيارات نحو الكورنيش البحري لبيروت تقول الوالدة أم مصطفى التي فضلت عدم ذكر اسمها الكامل إنها لم تغادر وحدها نحو عشرين فردا من عائلتها كانوا يعيشون في المبنى ذاته في منطقة حارة حريك وغادروا جميعهم تقريبا في الوقت نفسه تضيف لـالعربي الجديد خرجنا في اللحظة نفسها من دون أن نأخذ شيئا لم نفكر في شيء فقط أردنا أن نبتعد قبل ذلك كانت الإنذارات تحدد المباني المستهدفة وكنا آمنين نوعا ما أما زوجها فقد أحضر والده المسن الذي رفض في البداية مغادرة الشقة وتضيف لا يوجد مصعد في المبنى الذي يقيم فيه والد زوجي لذلك احتجنا إلى وقت كي ننزله وكنا مرعوبين بعد وصول أفراد العائلة إلى الكورنيش البحري في بيروت جلسوا على الرصيف يراقبون الأمواج والنازحين المتوافدين تباعا إلى المكان نفسه تشير أم مصطفى إلى الكورنيش وتقول أمضينا الليل هنا بقينا ننتظر لنرى ماذا سنفعل واليوم ننتظر المستجدات لنرى إن كنا سنعود أم لا من جهته قال منسق الشؤون الإنسانية للأمم المتحدة في لبنان عمران رضا لوكالة رويترز اليوم حتى اللحظة هناك نحو 100 ألف شخص في نحو 477 ملجأ جماعيا ولا يزال هناك نحو 57 ملجأ تتوفر فيها بعض المساحة لكن القدرة الاستيعابية تستنفد بسرعة كبيرة نزوح لا ينتهي أما أحمد رميتي النازح أصلا من مدينة النبطية فكان قد فر من جنوبي لبنان في الأيام الماضية واستقر موقتا في شقة قرب منطقة الشياح لكن الإنذار الجديد أجبره على الهروب مرة أخرى نحو العاصمة كان متوقفا على جانب الطريق داخل سيارته التي تقل ستة أشخاص ويقول لـالعربي الجديد فررنا صباح الاثنين من الجنوب وجئنا إلى الضاحية الجنوبية واليوم اضطررنا إلى الهروب من جديد كانت الطريق مكتظة بالكامل أحمد الذي سبق أن حضر حقيبة صغيرة تحسبا لأي طارئ يضيف لم نشعر بالخوف كنت أدرك أن المطلوب حمل حقيبتي والمغادرة سريعا رفقة عائلتي ولكننا اليوم نجد أنفسنا من دون وجهة محددة نقصدها ولا خيار أمامنا سوى انتظار الفرج في وسط بيروت حيث يختلط النازحون الذين وصلوا منذ أيام مع من وصلوا لتوهم من الضاحية الجنوبية تحولت الساحات العامة إلى نقاط تجمع وترقب ففي ساحة الشهداء وأمام مسجد محمد الأمين قضت عائلات ليلتها في العراء أو داخل سيارات وفانات لكن العدد تقلص قليلا صباح الجمعة بعدما غادر كثيرون بحثا عن أماكن أخرى للمبيت داخل أحد الفانات يحتمي رضيع ببطانية سميكة تقول والدته جنى عنان التي نزحت مع زوجها وأطفالها الثلاثة أمضينا الليل هنا في ساحة الشهداء نمنا جميعنا داخل هذا الفان لا أستطيع الكلام أكثر لقد تعبنا ونريد فقط العودة إلى منازلنا عباس فنش شاب في العشرينيات من عمره يقول لـالعربي الجديد إن الإنذار لم يكن مفاجئا له فقد صار هذا الأمر روتينا منذ بداية الحرب ويضيف يريد جيش الاحتلال زيادة الضغط على المقاومة حتى نطالبها بوقف الحرب لكننا ننتظر وعندما تتوقف الغارات سنعود إلى الضاحية عند أطراف ساحة رياض الصلح تجلس حنان علي على قطعة كرتون مفروشة فوق الرصيف إلى جانب حقيبة صغيرة وبرفقة ابنتها التي تحاول أن تغفو رغم الضجيج وصلت حنان إلى وسط بيروت بعدما نزحت من مخيم برج البراجنة مع زوجها وابنتها في رحلة هروب سريعة لم تترك لها وقتا للتفكير أو حتى لجمع أغراضها تقول لـالعربي الجديد كنا نحضر الإفطار عندما وصل الإنذار كل شيء حدث فجأة خرجنا كما نحن لم نأخذ شيئا وتضيف بنبرة خافتة أحمد ربي أنني كنت أرتدي ثيابي وحجابي حتى إنني صرت أنام مرتدية الحجاب تحسبا لأي إنذار في ساعات الليل تشير بيدها إلى الأرض حيث أمضت ليلتها الأولى في وسط بيروت بقايا رماد صغيرة تدل على نار أشعلها النازحون قرب الرصيف تقول نمنا هنا وسط البرد القارس لا أملك سوى هذا المعطف حاولنا إشعال نار صغيرة كي نتدفأ لم يكن لدينا أي شيء انتظرنا حلول الصباح لنرى ماذا سنفعل وبعد ظهر الخميس كان المتحدث باسم جيش الاحتلال الإسرائيلي أفيخاي أدرعي قد وجه إنذارا عاجلا طالب فيه سكان الضاحية الجنوبية بإخلاء بيوتهم فورا كي ينقذوا حياتهم ومما جاء في الإنذار سكان أحياء برج البراجنة والحدث يرجى التوجه شرقا باتجاه جبل لبنان على محور بيروت دمشق أما سكان أحياء حارة حريك والشياح فيجب التوجه شمالا باتجاه طرابلس بمحور بيروت طرابلس وشرقا باتجاه جبل لبنان على أوتوستراد المتن السريع ونبه الإنذار إلى أنه يحظر على الأهالي التوجه جنوبا مؤكدا أن أي توجه جنوبا قد يعرض حياتهم للخطر وأعلن الصليب الأحمر اللبناني في بيانه اليوم أنه بعد إجلاء 28 مريضا مساء الخميس من مستشفيات الساحل وبهمن والرسول الأعظم تقع في الضاحية الجنوبية تابعت فرقه إجلاء مريضين من مستشفى بهمن وخمسة مرضى من مستشفى الرسول الأعظم صباح الجمعة جرى نقلهم جميعا إلى مستشفيات خارج بيروت بالتنسيق مع وزارة الصحة العامة ومساء الخميس قالت وزيرة الشؤون الاجتماعية في لبنان حنين السيد نحن أمام مشهد مهول بعد إنذار أهلنا في الضاحية الجنوبية وقد فتحنا كل المدارس والجامعات الرسمية في مختلف المناطق كمراكز إيواء ونجهز مراكز إضافية وهي المدينة الرياضية استاد رياضي ومحطة شارل حلو مرفق نقل للحافلات والمسبح الأولمبي في منطقة الضبية