إبراهيم عبد المجيد ذاكرة الأشياء والمدينة المصرية في سامح الفؤاد
يدخل الأديب إبراهيم عبد المجيد في نوفيلا سامح الفؤاد (دار جداول للنشر والترجمة والتوزيع، بيروت، 2025) إلى منطقة ظلّ داخل مشروعه الروائي الطويل؛ منطقة تتخفف من الامتداد الملحمي الذي طبع أعمالاً كبرى مثل لا أحد ينام في الإسكندرية والبلدة الأخرى، وتتجه نحو عزلة وجدانية ضيقة، يتجاور فيها انكسار القلب مع انكسار العالم. هنا يبدو الكاتب كأنه ينزع عن نفسه طبقات المؤرخ الاجتماعي وذاكرة المدينة الواسعة، ليقترب من ارتجافة فردية خافتة، لكنها مشبعة بكل ما راكمه العمر من تأمل وخبرة وخسارات مؤجلة.
تتحرّك الرواية داخل نسيجٍ بالغ الرهافة، حيث يتداخل الشخصي بالزمني دون افتعال. الحب يظهر أبعد من حادثة عاطفية مكتملة الملامح، مشَكِّلاً حالة إنصات داخلي طويلة عاشها سامح متأخّراً، لذلك بدت له جارفة إلى هذا الحدّ. إبراهيم عبد المجيد يمتلك قدرة نادرةً على التقاط اللحظة التي يكتشف فيها الإنسان هشاشته بعد سنوات من التماسك الظاهري. سامح يقع في الحب ويكتشف أن حياته السابقة كلها كانت تمهيداً غامضاً لهذه الرجّة الروحية.
تتشكل شخصية سامح من مادة مألوفة في عالم عبد المجيد؛ المثقف السكندري/القاهري الموزع بين الموسيقى والكتب والمقاهي والحنين، غير أن الشخصية هنا تكتسب انكشافاً وجدانياً أكبر من المعتاد. ثمة عُري عاطفي واضح يمر في الصفحات، خصوصاً في طريقته في النظر إلى ماجدة، وفي ذلك الامتلاء الداخلي الذي يجعل لقاء عابراً في مطعم أو لمسة يد حدثاً يكاد يغيّر معنى العالم كله.
ماجدة نفسها تتحرك داخل النصّ كطيفٍ أكثر من كونها شخصية مكتملة التفاصيل. حضورها مشبع بالمسافة. كلما اقتربت ازداد شعور القارئ بأنها تنتمي إلى منطقة يصعب الإمساك بها. عبد المجيد يكتبها بعين عاشقٍ يتأمل أكثر مما يمتلك، لذلك تتكثف صورتها عبر الضوء المحيط بها وعبر أثرها على سامح وعبر الأغنيات التي تستدعيها، وأيضاً عبر التبدلات النفسية التي تصنعها في روحه. لهذا تبقى ماجدة طوال الرواية أشبه بحالةٍ وجدانية معلقة بين الحضور والغياب.
ومن داخل هذه الحكاية العاطفية تتسلل القاهرة ممثّلة النص الموازي الحقيقي. القاهرة في الرواية ذاكرة متصدعة. المقاهي
ارسال الخبر الى: