إبراهيم الحيسن الحانة والمرحاض أفقا جماليا
تطرح موضوعات هامشية مثل الحانة والمرحاض داخل الفن التشكيلي سؤالاً يتصل بحدود ما يمكن أن يتحوّل إلى موضوع جمالي، وبالقدرة على نقل تفاصيل يوميةٍ إلى مجال التفكير النقدي. في هذا السياق، صدر كتاب الحانة والمرحاض في الفن التشكيلي (دار خطوط وظلال، 2026) للناقد والباحث التشكيلي المغربي إبراهيم الحيسن، في اشتغال يوسّع دائرة النظر نحو مناطق ظلّت بعيدة عن التحليل ويعيد إدراجها ضمن أفق القراءة البصرية والمعرفية.
يبني الكتاب أرضيته النظرية على مساءلة موقع المرجع داخل العمل الفني، في امتداد لتحوّلات كبرى عرفها الفن الحديث، خاصة مع تجربة مارسيل دوشامب التي أعادت تعريف العمل عبر إدماج الأشياء الجاهزة داخل فضاء العرض. هذا المنحى يتعزّز عبر توطئة كتبها الناقد مصطفى النحال ترسم مسارات واضحة، من ثقافة البيسترو إلى فلسفة النبيذ وشاعرية المرحاض، بما يمنح العمل خريطة داخلية تنظّم مادته وتوجّه قراءته.
ضمن هذا الأفق، يظهر النبيذ عنصراً يتجاوز حضوره الاستهلاكي ليرتبط بأسئلة المتعة والحرية والطقس، في امتدادٍ رمزي يصل إلى تمثلاته الأسطورية المرتبطة بديونيزوس وباخوس وحضوره داخل الفنون والملصقات الإشهارية. هذا الامتداد يمنح الموضوع كثافةً دلالية تتقاطع فيها الثقافة مع التاريخ البصري.
يستقرئ المرحاض بوصفه فضاء مركّباً يعج بالإشارات
تظهر الحانة داخل الكتاب فضاءً مدينيا مركّبا، تتداخل فيه اللغة والذاكرة والطقوس اليومية. يتتبّع الحيسن تاريخ المصطلح وتحولاته ويعزّز ذلك بإحالات سوسيولوجية، خاصة مع أعمال راي أولدنبورغ وبيير بوازار، حيث يُنظر إلى الحانة مجالاً للتداول الاجتماعي ومكوّناً من مكوّنات الحياة الحضرية. ويتقاطع هذا البعد مع حضور أدبي يمتد من إميل زولا إلى نصوص شعرية لمظفر النواب ومحمد الرويسي وإدريس علوش، حيث تتحوّل الحانة إلى فضاء للكتابة والتأمل.
ولا تغيب اللغة اليومية عن هذا الاشتغال، إذ يستعيد المؤلف تعابير متداولة بين روّاد الحانات، من صيغ التنبيه إلى الإغلاق (يا الله ألخوت، تعاونو معانا نمشيو) إلى مفردات عامية تشكّل معجماً خاصاً بالمكان. حضور هذه اللغة يكشف عن دينامية داخلية كما يدرج الصوت الشعبي ضمن التحليل، بما يمنح النص حيوية إضافية.
هذا البعد النظري يتقاطع
ارسال الخبر الى: