أوهام جغرافيا الخلاص
حين يفرغ المشهد الإقليمي من صخبه، تتجه الأنظار عادةً نحو الاقتصاد بوصفه بوابة إجبارية للخروج من الأزمات. وهذا ما رأيناه بوضوح في الحراك الدبلوماسي الأخير، وصولاً إلى زيارة رئيس الوزراء العراقي، علي الزيدي، إلى دمشق، وما رافقها من أحاديث واسعة عن عصب الجغرافيا، وبعث الممرات الاستراتيجية، وإعادة إحياء خط كركوك – بانياس، وتحويل سورية إلى شريان للترانزيت والطاقة، تتدفق عبره عروق التجارة من الخليج نحو المتوسط.
لكن، بينما كانت دمشق ترسم خرائط التفاؤل الاستراتيجي، وتراهن على الموقع الجغرافي بوصفه كلمة السر لتجاوز عقود من الحصار والدمار، جاءت تصريحات المبعوث الأميركي توم براك، عبر شاشة سي أن أن، لتضع الجميع أمام الحقيقة، معلنةً بوضوح أنّ جذب الاستثمارات الأجنبية إلى سورية يواجه تحديات معقدة، وأن مشاريع الطاقة تحتاج إلى عقد أو عقدين لتؤتي ثمارها، في بيئة تفتقر إلى الأمان المالي والمصرفي، وتنوء تحت وطأة ديون تُقدّر بمئات المليارات.
وبعيداً عن الأرقام الاقتصادية الجافة وتفاصيل المصارف والعقوبات، لم تكن تصريحات براك مجرد قراءة اقتصادية باردة، بل حملت رسالة واضحة ومباشرة، موجهة بلا مساحيق تجميل إلى رأس الهرم في دمشق، وتحديداً إلى أحمد الشرع وشخصيات السلطة الحالية: البراغماتية السياسية وحدها لا تكفي لإقناع شركات مثل إكسون موبيل أو توتال بضخ مليارات الدولارات في بيئة لم تستقر بعد على هوية سياسية ومؤسسية واضحة.
البراغماتية السياسية وحدها لا تكفي لإقناع شركات مثل إكسون موبيل أو توتال بضخ مليارات الدولارات في بيئة لم تستقر بعد
تكمن المشكلة هنا في تسويق وهم الاستقلال الاقتصادي السريع، والتصور بأن الحاجة الإقليمية الملحة إلى فتح ممرات بديلة، خصوصاً بعد أزمة مضيق هرمز واضطرابات الخليج، ستجبر العالم على تجاوز شروطه، أو في الرهان على أن العواصم الخليجية قادرة وحدها على تمويل ورشة إعادة الإعمار. غير أنّ تصريحات براك جاءت لتنسف هذه الفرضية، مؤكدةً أن أي تقارب إقليمي يظل معلقاً في الهواء ما لم يمر عبر البوابة الأميركية الغربية، في ظل رفض واشنطن، حتى الآن، السماح بربط سورية بالنظام المصرفي العالمي سويفت (SWIFT)،
ارسال الخبر الى: