أوسع من رصاصة
يعود إليك عند الليل حين يتأوه القصب. منذ سنوات طويلة وأنا أقف عند هذين السطرين اللذين غنّتهما فيروز. لا عند الليل، ولا عند العودة، بل عند التأوه نفسه. كنت أتساءل كيف يبدو التأوه إذا أمكنت رؤيته. ما شكله وهو يغادر شيئاً صامتاً كالقصب؟ وحين قرأت، بعد سنوات، عن التجارب التي جعلت الذبذبات الصوتية ترسم أشكالاً فوق الرمل والماء، عاد إليّ السؤال نفسه. شعرت أن الشعر عرف، قبل العلم، أن الأصوات لا تختفي، بل تترك أشكالها وراءها وتمضي.
ربما لهذا لا أتذكر طفولتي من خلال الصور. فالصور تتأخر دائماً، أما الأصوات فتصل أولاً.
كلما عدت إلى قريتي أسمع الوادي قبل أن أراه. كان يصل إلى مضافتنا بلا حواجز، كأن الماء فرد من أفراد العائلة. لم يكن الخرير يمر قرب البيت، بل في داخله، حتى إنني لا أستطيع اليوم أن أفصل بين صوت الوادي وصوت الزمن نفسه وهو يعبر طفولتي ببطء.
ومن الماء أصل إلى صوت دراجة أبي النارية. لا أتذكر لونها الآن، لكنني أتذكر صوتها بدقة مدهشة. كان يبدأ بعيداً في آخر الطريق، ثم يقترب شيئاً فشيئاً حتى يملأ المسافة بيني وبين العالم. لم يكن مجرد صوت محرك، بل كان مكاناً أعود إليه، شيئاً يشبه الرحم الذي يحملني كل مرة إلى أبي ويحمل أبي إليّ. وحتى اليوم، كلما مرت دراجة نارية في شارع بعيد، أشعر أن طفلة صغيرة تنهض في داخلي وتعود إلى ذلك الانتظار الأول.
وفي مكان قريب من ذلك الصوت، ما زلت أسمع ماكينة سينغر تحت أصابع أمي. كانت الإبرة تهبط وتصعد، والخيط يركض فوق القماش، فيما كانت هي تنحني على الثياب بتركيز يشبه الصلاة. لم أكن أعرف يومها أن بعض النساء يخطن الزمن من دون أن يدرين. كانت أمي تجمع أيامنا المبعثرة غرزةً غرزةً، وتسد الثقوب الصغيرة التي تتركها الحياة في الأرواح قبل أن تتركها في الثياب.
ربما لهذا لا أتذكر طفولتي من خلال الصور. فالصور تتأخر دائماً، أما الأصوات فتصل أولاً
ولأن الزمن كان يمر من بيتنا
ارسال الخبر الى: