حريق مالي يهدد أوروبا مخاوف من اتساع شرارة فرنسا لمنطقة اليورو
61 مشاهدة
تتصاعد المخاوف في الأوساط المالية العالمية من أن تتحول الأزمة السياسية في فرنسا إلى شرارة هزة اقتصادية جديدة داخل الاتحاد الأوروبي بعدما انعكست حالة عدم اليقين السياسي داخل فرنسا صاحبة ثاني أقوى اقتصاد في القارة بعد ألمانيا بشكل مباشر على أسواق المال والمؤشرات الكلية فقد سجلت السندات الحكومية الفرنسية لأجل عشر سنوات عائدا يناهز 3 5 وهو من أعلى المستويات في منطقة اليورو بينما اتسع الفارق مع السندات الألمانية إلى 77 نقطة أساس وتوقع محللون من شركة كارمينياك لإدارة الأصول أن يصل الفارق إلى 100 نقطة أساس إذا تصاعدت الأزمة وهو مستوى لم يسجل منذ أزمة منطقة اليورو قبل أكثر من عقد ويعد اتساع الفارق بين العائد على السندات الحكومية الفرنسية ونظيرتها الألمانية من أبرز مؤشرات القلق في الأسواق المالية الأوروبية وهو ما يعرف في الأسواق باسم Spreads الفارق في العائد الذي يطالب به المستثمرون مقابل الاحتفاظ بسندات دولة تعتبر أكثر مخاطرة مقارنة بألمانيا التي تعد الملاذ الآمن في منطقة اليورو وبحسب بيانات بلومبيرغ وتوقعات وصول هذا الفارق إلى 100 نقطة أساس يعيد إلى الأذهان أجواء أزمة الديون الأوروبية عام 2012 عندما وصلت الفوارق بين السندات الألمانية ونظيراتها في دول الجنوب الأوروبي إلى مستويات قياسية هددت استقرار اليورو وتكمن خطورة هذا المؤشر في أنه لا يقتصر على رفع تكلفة الاقتراض الحكومي الفرنسي بل ينعكس أيضا على تكلفة التمويل للشركات الفرنسية التي تضطر لدفع فوائد أعلى للاقتراض في ظل بيئة تتسم بانعدام اليقين وبحسب رويترز فإن هذا الوضع قد يضعف قدرة فرنسا على تنفيذ خطة الإصلاح المالي التي تستهدف خفض العجز إلى 4 6 من الناتج المحلي خلال العام المقبل خصوصا مع ارتفاع فاتورة خدمة الدين العام الذي تجاوز 113 من الناتج المحلي الإجمالي وإذا استمر هذا الاتجاه فإن الفارق مع ألمانيا قد يتحول إلى مؤشر إنذار مبكر على أزمة ثقة أوسع في منطقة اليورو بخاصة أن فرنسا تعد ثاني أكبر اقتصاد في الكتلة الأوروبية وسابع أكبر اقتصاد على مستوى العالم بداية حريق مالي وقالت صحيفة لوموند الفرنسية إن إعلان رئيس الوزراء فرانسوا بايرو عن تصويت الثقة في 8 سبتمبر أيلول كان بمثابة صدمة جديدة للأسواق إذ أعاد الاقتصاد إلى حالة من الشكوك وعدم اليقين بعد أشهر من محاولات الاستقرار وأوضحت الصحيفة أن بورصة باريس تراجعت بشكل ملحوظ عقب الإعلان بالتوازي مع ارتفاع متطلبات المستثمرين للعوائد على السندات الحكومية وهو ما يعكس تزايد المخاوف بشأن قدرة الحكومة على السيطرة على المالية العامة وأضافت الصحيفة أن وزارة الاقتصاد والمالية الفرنسية المعروفة باسم بيرسي اضطرت إلى التدخل بسرعة عبر تصريحات تهدئة ولقاءات مع المستثمرين الكبار في محاولة لوقف ما وصفته بـ بداية حريق مالي ويقصد بذلك أن حالة فقدان الثقة يمكن أن تمتد بسرعة إلى باقي القطاعات المالية فتؤدي إلى ارتفاع تكلفة التمويل ليس فقط على الدولة بل أيضا على الشركات الخاصة وأشارت لوموند إلى أن التجارب السابقة مثل أزمة الديون الأوروبية عام 2012 أظهرت أن مثل هذه الشرارات قد تنتشر سريعا عبر أسواق المنطقة لتتحول من أزمة محلية إلى أزمة أوروبية أوسع وبحسب محللين نقلت عنهم الصحيفة فإن استمرار حالة الغموض السياسي قد يدفع المستثمرين الدوليين إلى تقليص تعرضهم للأصول الفرنسية سواء عبر خفض حيازاتهم من الأسهم المدرجة في المؤشر الرئيسي لبورصة باريس CAC 40 أو عبر إعادة تسعير المخاطر في سوق السندات السيادية وهذا السيناريو وفق لوموند من شأنه أن يقوض أي فرص لتعاف اقتصادي سريع في فرنسا ويضع ضغوطا إضافية على منطقة اليورو ككل ولا سيما إذا ما توسع الفارق مع السندات الألمانية إلى مستويات مقلقة ورغم أن المؤشر الرئيسي لبورصة باريس CAC 40 تعافى بنسبة 0 4 بعد يومين من الخسائر فإن المحللين يرون أن هذا الاستقرار مؤقت في ظل ترقب المستثمرين لتصويت الثقة الحاسم في 8 سبتمبر أيلول والذي قد يحدد ملامح السياسة المالية المقبلة وبحسب رويترز فإن حجم المخاطر الحالية لا يكمن فقط في احتمالية سقوط حكومة فرانسوا بايرو بل في تأثير ذلك على ثقة المستثمرين وتكلفة التمويل وتدفقات رؤوس الأموال إلى فرنسا ما يجعل ثاني أكبر اقتصاد في منطقة اليورو تحت مجهر الأسواق العالمية أكثر من أي وقت مضى تراجع خطير تشير بيانات المعهد الوطني للإحصاء والدراسات الاقتصادية في فرنسا إلى أن استثمارات الشركات الفرنسية غير المالية الشركات التي تنتج السلع والخدمات لكنها ليست مؤسسات مالية مثل البنوك شهدت تباطؤا ملحوظا منذ انتخابات 2024 المبكرة إذ انكمشت أو ظلت مستقرة في معظم الفصول الأربعة الأخيرة ما يعني أن الاقتصاد الفرنسي خسر أحد أهم محركات النمو طويل الأجل وهو الإنفاق الرأسمالي الأموال التي تخصصها الشركات لتوسيع نشاطها أو شراء أصول جديدة وحذر باتريك مارتن رئيس اتحاد أرباب العمل الفرنسي Medef أكبر منظمة لتمثيل الشركات الفرنسية من أن الاستثمار في فرنسا يتراجع بشكل خطير ما يضع البلاد في موقع متأخر مقارنة بمنافسيها الأوروبيين ويأتي هذا التراجع في بيئة يتسم فيها النمو بالضعف متوقع 0 7 فقط في 2025 مع عجز مالي مرتفع يبلغ 5 4 من الناتج المحلي الإجمالي وبحسب فايننشال تايمز فإن استمرار هذا الاتجاه سيؤثر سلبا على معدلات التوظيف ويقلص من القدرة التنافسية للصناعة الفرنسية داخل السوق الأوروبية الخطر على اليورو ويرى محللون وفق تقارير إعلامية أوروبية أن أزمة فرنسا تتجاوز حدود الاقتصاد المحلي لتتحول إلى تهديد استراتيجي لمستقبل اليورو مؤكدين أن المعضلة الأساسية لا تكمن فقط في ارتفاع العجز أو زيادة كلفة التمويل بل في صورة اليورو عملة احتياطية عالمية فبحسب بيانات صندوق النقد الدولي يشكل اليورو نحو 20 5 من احتياطيات النقد الأجنبي العالمية في 2025 مقارنة بأكثر من 58 للدولار وهو ما يعني أن أي اهتزاز في ثاني أكبر اقتصاد داخل الكتلة من شأنه أن يضعف ثقة البنوك المركزية العالمية في العملة الأوروبية ويعزز الميل نحو تنويع الاحتياطيات باتجاه الدولار أو حتى اليوان الصيني يذكر أن دولا مثل اليونان والبرتغال وأيرلندا كانت الحلقة الأضعف في أزمة الديون السيادية في منطقة اليورو بين عامي 2010 و2012 بينما لعبت فرنسا دور الضامن إلى جانب ألمانيا واليوم ينعكس المشهد ففرنسا نفسها أصبحت في مرمى الأسواق حيث يدفع المستثمرون قسط مخاطرة أعلى للاحتفاظ بسنداتها مقارنة ببعض الاقتصادات الأصغر وتظهر هذه المفارقة كيف تحولت الأزمة إلى تهديد هيكلي لـالقلب الأوروبي لا لأطرافه فقط وهو ما يزيد من حساسية الأسواق تجاه أي مؤشرات سياسية أو مالية سلبية تصدر من باريس وحذرت صحيفة لوموند من أن استمرار الغموض في باريس يضعف الموقف التفاوضي لبروكسل في الملفات الاستراتيجية سواء تعلق الأمر بالطاقة أو بالسياسات الدفاعية كما يضعف قدرة أوروبا على لعب دور مواز للولايات المتحدة في النظام المالي العالمي السيناريوهات المحتملة وبحسب مسح أجرته العربي الجديد للتغطيات الاقتصادية الغربية للأزمة الفرنسية أجمعت غالبية التقارير والتحليلات على أن الأزمة لم تعد مسألة سياسية فرنسية بل أصبحت اختبارا جوهريا لقدرة باريس على استعادة ثقة الأسواق وضبط ماليتها العامة ومن خلال ما ورد بهذه التقارير والتحليلات يمكن استخلاص ثلاثة مسارات رئيسية محتملة تشكل الإطار الأكثر ترجيحا لفهم مستقبل الوضع الأول يقوم على نجاح الحكومة في تمرير خطة الضبط المالي والثاني على سقوطها وتشكيل حكومة ضعيفة والثالث على الذهاب إلى انتخابات مبكرة بما تحمله من كلفة سياسية ومالية مرتفعة هذه السيناريوهات لا تمثل توقعات يقينية لكنها تقدم قراءة استشرافية استنادا إلى اتجاهات الأسواق وميزان القوى داخل البرلمان الفرنسي ويمكن إيجاز هذه السيناريوهات الثلاثة المحتملة في ما يلي 1 تمرير الثقة واستمرار خطة الضبط الماليإذا نجحت حكومة فرانسوا بايرو في تمرير تصويت الثقة فستكسب فرنسا مهلة زمنية لاستعادة جزء من المصداقية المالية وسيؤدي هذا السيناريو إلى تراجع تدريجي في علاوة المخاطر على السندات السيادية الفرنسية واحتواء الفارق مع السندات الألمانية دون عتبة 100 نقطة أساس وقد تستجيب الأسواق إيجابا عبر خفض طفيف في تكاليف الاقتراض مما يسهل إدارة الدين العام الذي يتجاوز 113 من الناتج المحلي ومع ذلك يبقى الأثر محدودا على المدى القصير نظرا لضعف مؤشرات الثقة الاقتصادية وتباطؤ النمو المتوقع عند 0 7 فقط في 2025 وهو ما يعني أن نتيجة حدوث هذا السيناريو تتمثل في حدوث استقرار مالي نسبي دون تحسن جوهري في الاستثمار أو النمو 2 فشل التصويت وتشكيل حكومة جديدة ضعيفةأما إذا فشلت الحكومة في كسب الثقة فسيضطر الرئيس إيمانويل ماكرون إلى تعيين رئيس وزراء جديد يقود حكومة أقلية أو ائتلاف هش ويعني هذا السيناريو إطالة أمد عدم اليقين مع استمرار الضغوط على الأسواق واتساع الفارق مع ألمانيا إلى نطاق 80 100 نقطة أساس وفي غياب موازنة معتمدة قد تتزايد المخاوف بشأن التصنيف الائتماني لفرنسا وهو ما قد يرفع تكاليف الاقتراض للشركات ويضعف تدفقات الاستثمار الأجنبي وستترتب على حدوث هذا السيناريو ضبابية ممتدة تؤدي إلى ارتفاع فاتورة خدمة الدين وتراجع الاستثمار الخاص مع خطر تخفيض محتمل للتصنيف الائتماني 3 حل البرلمان والدعوة إلى انتخابات مبكرةالسيناريو الأكثر كلفة يتمثل في حل البرلمان والذهاب إلى انتخابات مبكرة ما يعني دخول فرنسا في فراغ سياسي يستمر لأسابيع وربما أشهر وهذا الوضع عادة ما يؤدي إلى إعادة تسعير شامل للأصول الفرنسية حيث يطالب المستثمرون بعوائد أعلى على السندات وقد يتجاوز الفارق مع ألمانيا حاجز 100 نقطة أساس وهو المستوى الذي حذرت منه شركة كارمينياك وعند هذه النقطة قد يجد البنك المركزي الأوروبي نفسه مضطرا إلى التلويح باستخدام أدوات غير تقليدية مثل برامج شراء السندات لدعم الاستقرار أي أن حدوث هذا السيناريو سيترتب عليه اتساع فجوة المخاطر وتراجع الاستثمار الأجنبي المباشر وضعف جاذبية اليورو أمام الدولار واليوان ويرى خبراء أن شرارة التحدي تتجاوز باريس لتطاول الاتحاد الأوروبي ككل فإذا اهتزت ثقة الأسواق في ثاني أكبر اقتصاد في الكتلة فإن اليورو نفسه سيكون معرضا لفقدان جزء من جاذبيته باعتباره عملة احتياطية عالمية وهو ما شددت عليه فاينانشال تايمز باعتباره الخطر الأعمق للأزمة ما ستكشفه الأسابيع المقبلة بخاصة التصويت المقرر في 8 سبتمبر أيلول المقبل لن يحدد فقط مصير حكومة فرانسوا بايرو بل قد يرسم ملامح العقد المقبل للاقتصاد الفرنسي ولمكانة الاتحاد الأوروبي في النظام المالي العالمي والسؤال المفتوح يبقى هل تملك فرنسا القدرة على كسر حلقة العجز والدين واستعادة ثقة الأسواق أم أن أوروبا مقبلة على أزمة جديدة تنطلق من قلبها هذه المرة لا من أطرافها