أوروبا تعيد الاعتبار لضحايا الاستعمار في الفضاء العام

71 مشاهدة
بين المؤرخ البلجيكي إيدسبالد غوديري أن التعامل الأوروبي الراهن مع الماضي الاستعماري لا يكتفي باستحضاره بل يتجه إلى إعادة تنظيمه داخل الفضاء العام ضمن نظام من الرموز القابلة لإعادة الترتيب ففي عدد من المدن البلجيكية يعاد تثبيت تماثيل الملك ليوبولد الثاني ضمن المشهد الحضري مع إضافات تفسيرية محدودة لا تكافئ كتلتها الرمزية فيما تنزع هولندا إلى توزيع الذاكرة عبر نصب ومسارات تأويلية تتعلق بتاريخ العبودية nbsp هذا التباين في الوسائط لا يلغي اشتراكهما في وظيفة واحدة تقوم على نقل الاستعمار من كونه بنية تاريخية فاعلة إلى مادة تمثيلية تدار داخل أفق الذاكرة من هنا يفتح غوديري السؤال على مستوى آخر ليس كيف نتذكر وإنما ماذا نصنع بآثار ما لم تنته بعد لا تعود التماثيل ضمن هذا التحول مجرد بقايا مادية بل تتخذ هيئة بنى بصرية تعيد تشكيل العلاقة بين الاستعمار وتركته في الحاضر إذ لا يعكس الفضاء العام التاريخ بقدر ما يعيد صياغته بحيث يدرج العنف ضمن سردية قابلة للاستهلاك الثقافي وهو ما يتقاطع مع اشتغال الشاعر المارتينيكي إيميه سيزير في حول الاستعمار حيث لا يظهر الاستعمار انحرافا عن الحضارة الأوروبية بل أحد شروطها الكامنة هكذا لا يعاد فقط توصيف الحدث إنما يرتب زمنه بحيث يدفع خارج الحاضر ويثبت في ماض مكتمل تماثيل من ماض استعماري تفرض معناها على الحاضر متجاوزة السياق nbsp يتجلى هذا الاشتغال بوضوح في الفضاء البلجيكي حيث تفرض تماثيل ليوبولد الثاني حضورها مركزا بصريا منظما للرؤية ففي تمثال أوستند يبدو الجسد الملكي على صهوة الحصان موجها الإشارة نحو الأفق في حركة تربط العلو بالامتداد على أن هذا التكوين لا يكتمل إلا بما يقوم تحته من شخصيات كونغولية مندمجة في البنية النحتية تدرج الجسد المستعمر داخل سردية تمجيد السلطة فيتحول التمثال إلى جهاز هرمي يوزع الموقع بين مركز أوروبي وهامش أفريقي لا يجري هذا الاشتغال في بلجيكا ضمن سياسة موحدة لكنه يتوزع بين مسارات متباينة إذ تمت إزالة بعض التماثيل وأخرى بقيت مع تدخلات تحسينية فيما تترك أعمال أخرى تحت إعادة التأطير في مقابل هذه الكتلة تظهر اللوحات التفسيرية أي الشروح التعريفية المضافة لاحقا محدودة الحجم والأثر فلا تعمل على معادلة المعنى وتكتفي بمرافقة تمثيل قائم سلفا ومن هنا يتكشف تفاوت دقيق يتقدم فيه التمثال البرونزي خطابا بينما ينزاح النص المكتوب إلى موقع التعليق بحيث لا تبدو المسألة نقصا في المعلومات وإنما اختلال في الكثافة الرمزية يفرض التمثال معنى في حين تكتفي اللوحة بشرحه أما في الحالة الهولندية فيجري الاشتغال على نحو مختلف لا مركز واحد للذاكرة وتوزيعها داخل شبكة مكانية مضبوطة مثلا النصب الوطني لتاريخ العبودية في متنزه أوستر بارك من تصميم إيرفين دي فريس يشكل نقطة ارتكاز ولا يعمل وحده ويتقاطع مع لوحات تفسيرية على مبان تاريخية مثل مبنى شركة الهند الغربية في ساحة الواقعة في هيرن ماركت ومع مسارات تعريفية تتيح تتبع آثار العبودية داخل المدينة ومع ذلك فإن هذا الانتشار لا يعني انفلات الذاكرة ويؤدي إلى تأطيرها إذ تقدم ضمن مسارات محددة وتقرأ داخل شروط موجهة بما يجعل التجربة محكومة ببنية تنظيمية تسبقها إدراج لجسد المستعمر داخل سردية تمجيد السلطة الأوروبية ما ينتج عن ذلك ليس محوا للذاكرة ولا إعادة ترتيبها مكانيا فحسب إذ يتوزع حضورها بين نصب في موقع محدد ولوحات على واجهات معمارية وعلامات موزعة في النسيج الحضري فتبقى الذاكرة حاضرة داخل إطار يحدد كيفية ظهورها فلا تغيب ولا تصطدم ولا تختفي ولا تهيمن وعلى الرغم من اختلاف نمطي الاشتغال البلجيكي والهولندي فإنهما يلتقيان في إنتاج شكل من الغياب يتجلى الغياب بوصفه غيابا أنطولوجيا يأخذ هيئة فراغ جسدي يحضر الجلاد كتلة مهيمنة فيما يغيب الضحايا كأجساد مستقلة ويتخذ الغياب في هولندا شكلا أكثر تركيبا مع تفكيك الحدث إلى عناصر تفسيرية تخفف من حدته وتحول الألم إلى معرفة وفي الحالتين يعاد إدخال العنف ضمن نظام تمثيلي يمكن التحكم فيه لصالح سرديات الاستعمار هنا يتضح أن المسألة لا تتعلق بإزالة التماثيل والنصب الاستعمارية بقدر ما تتعلق بإعادة التشكيل فلا يكون المطلوب محوها ولا أحد يشترط إزالتها بل إدخالها في معادل بصري يضع المستعمر والضحايا داخل مستوى واحد من القراءة تفكيك مركزيتها وإعادة توزيع النظر داخلها لأن الفرق الحاسم لا يقوم بين الإبقاء والإزالة بل بين هيمنة النص البرونزي وهامشية الشروح التفسيرية المضافة الأمر الذي يبقي المعنى منضبطا داخل البنية نفسها حتى مع تغير لغته ما لم تعاد صياغة هذه العلاقة غير أن هذا التحول يصطدم بإطار معرفي أوسع يتمثل في الخطاب الذي يضع الاستعمار ضمن ما يسمى أدبيات ما بعد الاستعمار كما لو أنه أنجز وانتهى إذ يعاد تقديمه في صيغة مفهوم مجرد منفصل عن شروطه التاريخية وينفصل بذلك عن علاقات القوة التي لا تزال تنظم الحاضر فيبدو كأنه حدث مضى لا بنية مستمرة وعند هذه النقطة لا ينظم التذكر وحده بل يعاد ترتيب النسيان أيضا

ارسال الخبر الى:

ورد هذا الخبر في موقع العربي الجديد لقراءة تفاصيل الخبر من مصدرة اضغط هنا

اخر اخبار اليمن مباشر من أهم المصادر الاخبارية تجدونها على الرابط اخبار اليمن الان

© 2016- 2026 يمن فايب | تصميم سعد باصالح