أوروبا تعيد الاعتبار لضحايا الاستعمار في الفضاء العام
ُبيّن المؤرخ البلجيكي إيدِسبالد غوديري أن التعامل الأوروبي الراهن مع الماضي الاستعماري لا يكتفي باستحضاره، بل يتجه إلى إعادة تنظيمه داخل الفضاء العام، ضمن نظام من الرموز القابلة لإعادة الترتيب. ففي عدد من المدن البلجيكية، يُعاد تثبيت تماثيل الملك ليوبولد الثاني ضمن المشهد الحضري، مع إضافات تفسيرية محدودة لا تكافئ كتلتها الرمزية، فيما تنزع هولندا إلى توزيع الذاكرة عبر نُصب ومسارات تأويلية تتعلّق بتاريخ العبودية.
هذا التباين في الوسائط لا يلغي اشتراكهما في وظيفة واحدة تقوم على نقل الاستعمار من كونه بنية تاريخية فاعلة إلى مادة تمثيلية تُدار داخل أفق الذاكرة. من هنا يفتح غوديري السؤال على مستوى آخر: ليس كيف نتذكّر، وإنما ماذا نصنع بآثار ما لم تنتهِ بعد؟
لا تعود التماثيل ضمن هذا التحوّل مجرّد بقايا مادية، بل تتخذ هيئة بنى بصرية تعيد تشكيل العلاقة بين الاستعمار وتركته في الحاضر، إذ لا يعكس الفضاء العام، التاريخَ بقدر ما يعيد صياغته، بحيث يُدرج العنف ضمن سردية قابلة للاستهلاك الثقافي، وهو ما يتقاطع مع اشتغال الشاعر المارتينيكي، إيميه سيزير، في حول الاستعمار، حيث لا يظهر الاستعمار انحرافاً عن الحضارة الأوروبية، بل أحد شروطها الكامنة. هكذا لا يُعاد فقط توصيف الحدث، إنما يُرتَّب زمنه، بحيث يُدفع خارج الحاضر، ويُثبّت في ماضٍ مكتمل.
تماثيل من ماضٍ استعماريّ تفرض معناها على الحاضر متجاوزة السياق
يتجلّى هذا الاشتغال بوضوح في الفضاء البلجيكي؛ حيث تفرض تماثيل ليوبولد الثاني حضورها مركزاً بصرياً منظِّماً للرؤية، ففي تمثال أوستند يبدو الجسد الملكي على صهوة الحصان موجّهاً الإشارة نحو الأفق، في حركة تربط العلوّ بالامتداد، على أن هذا التكوين لا يكتمل إلّا بما يقوم تحته من شخصيات كونغولية مندمجة في البنية النحتية، تُدرج الجسد المستعمَر داخل سردية تمجيد السلطة، فيتحوّل التمثال إلى جهاز هرمي يوزّع الموقع بين مركز أوروبي وهامش أفريقي.
لا يجري هذا الاشتغال في بلجيكا ضمن سياسة موحّدة، لكنه يتوزّع بين مسارات متباينة، إذ تمّت إزالة بعض التماثيل وأخرى بقيت مع تدخلات تحسينية، فيما تُترك أعمال أخرى
ارسال الخبر الى: