أوردة متعبة ومباضع للروح مهنة تعلم الحياة
يقولون إن القرارات الكبرى تولد من رحم المصادفة، لكنني أؤمن بأن القدر يسوقنا دائماً إلى حيث تسكن أرواحنا القديمة. منذ طفولتي، لم تكن الألعاب تستهويني بقدر ما كان يشدّني مشهد المسعفين وهم يصارعون الزمن. ما زالت تفاصيل المسلسل الفرنسي Medicopter 117 محفورة في ذاكرتي كأول شرارة لهذا العشق. كبرتُ، وكبر معي هذا الهوس، حتى في أحلك أيام كوفيد، كان ملاذي التحديق في تفاصيل مسلسل Station 19، ومشاهدة Mucize Doktor، لا للمتعة فحسب، بل تأملًا في تلك القوة الخارقة التي يمتلكها إنسان لينقذ آخر.
هكذا، وفي لحظة خانقة من واقع لا يتسع لطموحاتنا، قررت صديقتي شيماء أن نخطو الخطوة الأولى نحو التمريض. لم أكن أبحث عن شهادة، بل عن تجسيد لذلك الحلم القديم، عن مهارة تلامس الألم وتروّضه.
بدأت الرحلة مع الأستاذة المسعفة حليمة، حيث بدا الحلم مغلفاً بصرامة الميدان. كانت تدرّبنا بواقعية قاسية؛ نتمدد على الأرض لنتعلم كيف نسحب المصاب، وكيف نوقف نزيف الوقت قبل نزيف الدم. كسرت حليمة فينا حواجز الخوف والجندر؛ ففي حضرة الموت، لا وجود لرجل أو امرأة، بل هناك حالة تستغيث.
يقولون إن القرارات الكبرى تولد من رحم المصادفة، لكنني أؤمن بأن القدر يسوقنا دائماً إلى حيث تسكن أرواحنا القديمة
لكن، ويا للأسف، في زوايا ذلك القسم، كان هناك من يدرس بلا هدف. صبية يقتلون هيبة الدرس بتمتمات خادشة، يلوّثون طهر المحاولة بعبث لا طائل منه. تلك الكلمات التي سمعناها أنا وشيماء كانت كفيلة بخفض حماسنا، لا خوفاً، بل خجلاً من انحدار الذوق في مكان يفترض أنه يقدّس الإنسان.
ثم انتقلنا إلى فصل التمريض، وهناك التقينا بفاطمة. وبالمناسبة، أحب هذا الاسم، وقد أحببت فيه هذه المرة الهدوء الذي يحيط بهالة صاحبته. لم تكن فاطمة مجرد مدرسة، بل كانت أيقونة للصبر. بصوتها الهادئ وحركاتها الرزينة، كانت تفتح لنا آفاق الفهم بروية مذهلة.
كنتُ أغزو سعة صدرها بأسئلتي الكثيرة: لماذا هذا الوريد وليس ذاك؟ ما الفرق بين هذه الإبرة والأخرى؟ هل يجوز لهذا الدواء أن يُحقن هنا؟ وهل
ارسال الخبر الى: