أنشودة المطر لبدر شاكر السياب معلقة معاصرة

159 مشاهدة
يمكننا أن نسمي أنشودة المطر قصيدة بدر شاكر السياب معلقة من دون أن ننسى أن هذه التسمية تردنا إلى أوائل الشعر العربي إلى المطولات الشعرية العصماء في الشعر الجاهلي داعينا إلى ذلك هو أن أنشودة المطر مثلها مثل المعلقات لا تقف عند موضوع واحد ولا حالة واحدة ولا مجرد لحظة أو ميقات بل هي سفر شعري كامل في الحياة وفي الوقت وفي الموضوع وفي الجو وفي الخيال وفي الحكاية تبدأ أنشودة المطر بـعيناك غابتا نخيل ساعة السحر أو شرفتان راح ينأى عنهما القمر بداية هنا مخاطبة لامرأة تردنا إلى ما يشبه الاستهلال بالغزل في القصيدة الجاهلية لكن المرأة التي تبدأ القصيدة من عينيها لا تبقى عندهما بل هما وقد اتصلا فورا بالغابة والنخيل وبعدهما الشرفة والقمر تتحولان إلى وقفة عند مكان هو أيضا في لحظة أفول الغزل هنا لا يكتمل بل هو يمازج لحظة على وشك الانحسار والغياب إنها في البيتين السالفين في آونة فراق أو هم بفراق لنا عند ذلك أن نتذكر تلك البدايات الشهيرة في العصماوات الجاهلية البدايات التي هي أيضا البكاء على الأطلال المكان السياسي ليس طللا بالطبع لكنه أيضا مصوغ في عبارة تجمع بين المكان والوقت عنوان تنهمر منه القصيدة لكنه أيضا الأفق والغرض والمجال إن للسحر ساعته وللقمر غيابه لسنا هنا إلا أمام استحضار حديث لما يشبه الروح السالفة لن نتكلم بالطبع عن طللية راهنة لكننا ونحن نتابع القصيدة نقع على لحظة أخرى إنها للرقص وترقص الأضواء كالأقمار في نهار لحظة ليست آفلة أما ساعة السحر فهي هذه المرة قريبة من الرقص يرجه المجداف وهنا ساعة السحر والعينان اللتان بدأ بهما القصيدة تنبض في غوريهما النجوم وسيكون لهما أن تغرقا مع ذلك في أسى شفيف نحن بالطبع لم نعد في مناخ البيتين الأولين لكننا مع ذلك لا نبتعد بالكامل عن المعلقة الجاهلية تلك التي لم تكن لتقف عند البكاء الأول لم تكن لتبقى في اللحظة نفسها إنها قصيدة شاملة قصيدة تزاوج بين مفترقات شتى إنها إذ تبدأ بالفراق سرعان ما يردها ذلك إلى ما قبله إلى المشاهد والأوقات والأحداث التي هي مغامرة كل يوم إذا كانت تستهل بالبكاء فإنها لا تغفل الحب والسكر والصيد والأشياء والحيوانات والأوقات الأخرى يعود السياب في مطولته إلى ما يفترق عن البداية القصيدة التي بدأت بالغابة والنخيل سرعان ما تغدو مائية سرعان ما تنعقد كوكبة من الصور والإشارات والمفردات السحاب والغيوم والخليج جميعها تلتم حول مفردة لا تفتأ تستعاد وتتكرر إنها المطر المطر الذي تنهمر به القصيدة وتكاد تنتشر حوله وتهجس به هو العنوان لكنه أيضا الأفق والغرض والمجال لا نعرف كيف تصل القصيدة إلى ذلك كيف يغدو موضوعها وصلبها وهاجسها بل هو سحرها وأسطورتها لقد عثرت القصيدة عليه وجدت نفسها فيه اصطادته على طريقها ولم يلبث أن صار صميمها وداخلها كأنما خرج هذا للشاعر من لاوعيه كأنه استولى عليه من دون أن يصمم لذلك ومن دون أن يتوخاه نحن لا نلبث بعد ذلك نستعيده بيتا وراء بيت مقطعا بعد مقطع وكأنه يخرج من نفوسنا وداخلنا وكأننا نصيره ونجد حالنا فيه نحن بالطبع لن نفكر توا بالمعلقات فليس للمعلقات هذه الأسطورة لكن المعلقات لا تنتقل بين موضوعاتها الكثيرة بقصد واضح أو بدرجات متصلة أو بتتابع منظم أو بأي درجة من الترتيب هذه الموضوعات ترد من نفسها وكأنها ابنة لحظتها إنها تصدر عن حياة شاملة أنشودة المطر لا تصل فقط إلى أسطورتها المطرية إنها تستدعي أثناء ذلك ما يتداعى منها الخليج بخاصة لكنها أيضا ترتد إلى زمن سالف إلى طفولة وإلى أم لكن المدى الأشمل الذي يكاد مطرها يتقطر فيه تكاد أنشودتها تتنغم فيه هو العراق إذا كانت المعلقات تبدأ بالحنين الطللي فإن أنشودة المطر التي بدأت بما يقاربه لا تلبث أن تبني هيكلا طلليا لا تلبث أن تجد أنشودة للمطر حنينا للطفل هما العراق وكل ما يتداعى منه شاعر وروائي من لبنان

ارسال الخبر الى:

ورد هذا الخبر في موقع العربي الجديد لقراءة تفاصيل الخبر من مصدرة اضغط هنا

اخر اخبار اليمن مباشر من أهم المصادر الاخبارية تجدونها على الرابط اخبار اليمن الان

© 2016- 2026 يمن فايب | تصميم سعد باصالح