أندريس نيومان الواقعية السحرية في القرن الحادي والعشرين
57 مشاهدة
لم يستطع الكثير من كتاب أميركا اللاتينية التخلص من إرث البووم الذي أحدثه رواد الواقعية السحرية أمثال غابرييل غارسيا ماركيز وخوان رولفو وخوسيه دونوسو وأليخو كاربنتيه ذلك أنهم عجزوا عن تجنب الوقوع في استعادة قالبه الجاهز بل تحول في كتاباتهم إلى مرجعية متحجرة وإلى نموذج سردي يقوم على خطاطة جاهزة مشبعة بإيحاء غرائبي أي إن البنية التخييلية للواقعية السحرية تحولت إلى إطار مرجعي مريح يستدعي العلامات نفسها ويعيد توزيعها داخل سرديات جديدة من هنا تتجلى أهمية تجربة الجيل الجديد الذي اختار أن يهوي بالمطارق على حجر الواقعية السحرية بالتحيز المعلن إلى التنويع في الأسلوب والمضامين والخيارات وفق ما انتهى إليه كارلوس فوينتس ومن أبرز هؤلاء مونيكا أوجيدا وماريا فرناندا أمبويرو وغابرييلا كابيزون كامارا ونونا فرنانديز وبريندا نافارو وفرناندا ميلشور وكريستينا ريفيرا جارزا وبيلار كوينتانا ولينا ميروان غير أن أبرزهم على الإطلاق هو الكاتب الأرجنتيني أندريس نيومان الذي أبان منذ روايته الأولى باريولوتشي عن مشروع روائي واضح ينظر إلى الواقعية السحرية بوصفها رؤية جمالية تكشف عن غرابة الواقع وطبقاته غير المرئية ذلك أن بناء السحري ينتقل من مستوى الحدث إلى مستوى الإدراك فيصبح العالم غريبا لأنه متحول ومفتوحا على الصدمة والذاكرة والاقتلاع والتسارع التقني رؤية جمالية تكشف عن غرابة الواقع وطبقاته غير المرئية يشتغل نيومان على إعادة تعريف مفهوم الواقعية السحرية التي تقوم عنده ليس على إدماج العجائبي داخل اليومي كما نجد في كتابات خوليو كورتاثار وإنما على الإنصات لما يظل مهمشا داخل السرد التقليدي انطلاقا من وعي عميق بارتباط الكاتب بموقع المراقب أي بزاوية النظر التي تراهن على البطء والتراكم وعلى العلاقة الطويلة مع القارئ ويظهر ذلك من خلال طريقته في معالجة موضوعات دقيقة مثل الألم الحرب المنفى المرض الفقد إلخ إذ يبتعد كلية عن الاستغلال العاطفي لمثل هذه الموضوعات لصالح رؤية تبني سرديتها على الاعتراف بتعقيدات التجربة البشرية بدل تحويلها إلى مادة للاستعراض الفرجوي وليس أدل على ذلك من رواية كسر حيث يتجسد هذا التوجه عبر تحويل الكارثة النووية إلى سؤال أخلاقي وفلسفي حول الذاكرة والإنسان والتقنية وهنا يبلغ مشروعه درجة عالية من النضج التركيبي تتبع الرواية مسار شخصية يابانية عاشت قصف هيروشيما ثم تنقلت عبر بلدان متعددة حاملة معها أثر الصدمة النووية إما إذا انتقلنا إلى روايته التحدث إلى أنفسنا فالحب يتحول إلى ممارسة يومية للرعاية حيث تتراجع النبرة الرومانسية لصالح عاطفة تشتغل بوصفها قوة تنظيمية للحياة إذ تتناول الرواية تجربة المرض عبر ثلاثة أصوات سردية متعاقبة الأب الأم الابن nbsp في رواية مسافر القرن تتجلى الرؤية السردية لنيومان عبر شخصيات تعيش داخل مدينة متخيلة تتحرك جغرافيتها وزمنها باستمرار حيث يتحول الجسد إلى وسيلة عبور داخل مدينة متخيلة تتحرك في المكان والزمان حيث تتغير الخرائط وتتحول الشوارع وتختفي الحدود الثابتة ويرى الناقد خوردي غراسيا أن هذه الرواية تمثل عودة للرواية الكبرى داخل سياق معاصر حيث تجتمع المتعة السردية مع العمق الفكري وتؤكد قدرة نيومان في بناء نص يربط التجربة الفردية بالسياق التاريخي يستعيد تاريخ عائلته في سياق التحولات السياسية للأرجنتين في رواية الأرجنتين كان يا ما كان التي صدرت عن الهيئة المصرية العامة للكتاب ضمن سلسلة الجوائز بترجمة علي المنوفي يقدم نيومان نموذجا واضحا لـالكتابة الذاكراتية حيث يستعيد تاريخ عائلته في سياق التحولات السياسية والاجتماعية للأرجنتين كما تتحول السيرة العائلية إلى مرآة للتاريخ الجماعي دون الوقوع في الخطاب التوثيقي الخطي الجامد وقد اعتمد فيها على السرد الذاتي والاعتراف الضمني والتأمل والانفتاح العاطفي من أجل بناء نص يتجاوز السيرة الذاتية نفسها مما ساهم في إنتاج رواية يعتبرها أغلب النقاد حجر الأساس في مشروعه عبر اشتغالها على الذاكرة العائلية والتاريخ السياسي وهذا ما تكرر أيضا في كتابه التأملي كيف نسافر دون أن نرى حيث يكتب يوميات سفر مكثفة تستند إلى ملاحظات قصيرة وانطباعات سريعة في مستوى آخر يتكئ مشروع نيومان على فكرة الكاتب القارئ أي الكاتب الذي يكتب داخل شبكة كثيفة من القراءات والحوار مع النصوص السابقة والانفتاح على التراث الإنساني ويظهر ذلك في إحالاته المستمرة إلى الأدب الأوروبي والفلسفة والموسيقى والتاريخ دون أن تتحول هذه الإحالات إلى استعراض ثقافي ذلك أن كشف المرجعيات لدى نيومان يقوم على علاقة عضوية بالنسيج السردي فروايته الحياة في النوافذ تترجم على نحو واضح هذا الوعي حيث يعالج القراءة بوصفها تجربة وجودية على المستوى النقدي يرى الناقد الإسباني خوسيه كارلوس مانياس أن نيومان يمثل نقطة توازن نادرة داخل السرد الأميركولاتيني المعاصر حيث يلتقي الإرث الجمالي مع الحساسية الراهنة دون تضحية بأحدهما ويشير إلى أن نصوصه تشتغل على ما يسميه جماليات القرب أي تحويل التجربة الصغيرة إلى حدث كوني عبر اللغة بينما يرى الناقد الإسباني إغناسيو إتشيبيريا أن لغة نيومان تنطلق من أخلاق الانتباه أي على احترام التفاصيل وعدم ابتذال التجربة ومنح الأشياء الصغيرة حقها في الوجود السردي nbsp من جانبه يشير الناقد الأرجنتيني ريكاردو بيغليا إلى أن كتابة نيومان تمثل امتدادا معاصرا لتقليد سردي يهتم بالوعي الداخلي وبالتقاط لحظات التحول الصامت وببناء نصوص تعتمد على التوتر الخفي أكثر من الصراع الظاهر فيما يرى الناقد الإيطالي كلاوديو ماغريس أن تجربة نيومان تمثل نموذجا للكاتب الأوروبي اللاتيني الجديد الذي يكتب داخل ثقافة هجينة ويحول التعدد إلى قيمة جمالية أما الروائي التشيلي أليخاندو زامبرا فقد اعتبره نموذجا للكاتب الذي يحول الهشاشة إلى قوة جمالية ويجعل من التجربة الشخصية مادة لفهم التحولات الاجتماعية بهذا المعنى يشكل مشروع أندريس نيومان الذي قارنته بعض الكتابات النقدية بأدباء مثل جورج سيبالد وبيتر هاندكه أحد المسارات الأكثر عمقا وهدوءا داخل الأدب اللاتيني المعاصر خاصة أنه يؤسس لواقعية من نوع آخر قادرة على استيعاب تعقيدات القرن الحادي والعشرين دون فقدان بعدها الإنساني