أميركا عدو أميركا
هجا مارك توين الوطنية الأميركية، ووصفها في مقالٍ نشره عام 1905 بأنها قروسطية، وبالية، وعفا عليها الزمن، فالوطنية الحديثة والحقة والعقلانية التي تستحق العيش والموت دونها، من وجهة نظره، تلك التي يكون جوهر الولاء فيها للأمة، ولا ولاء للحكومة إلا عندما تستحق ذلك. مع الاحتفال بمرور مئتين وخمسين عاماً على استقلال الولايات المتحدة استعار عدد من الكتّاب مقولات توين الساخرة من النخبة السياسية الأميركية التي سعت دائماً إلى تحشيد الجماهير من خلال شعارات تمجّد الماضي، وترغب في استعادته، ومنها شعار لنجعل أميركا عظيمة مجدداً.
يعبّر دونالد ترامب عن هذه الماضوية في خطابه الذي ألقاه الجمعة الماضي عند جبل راشمور في ولاية ساوث داكوتا، حين حذر من عودة ما أسماه الخطر الشيوعي والوافدين الجدد الذين يتبنون أفكاراً تُعارض نمط الحياة الأميركي، ووصفهم بـالمتطرفين والمتشددين. عدوٌ جديد حدده الرئيس الأميركي، وبدأ هجوماً عليه منذ عودته إلى البيت الأبيض، ويترجمه في مرسوم رئاسي يهدف إلى استعادة الحقيقة والعقلانية في سرد التاريخ الأميركي.
يُحتفل بعيد الاستقلال الـ250 في الولايات المتحدة بعد أن طمست الإدارة الحالية مساهمة السود والسكان الأصليين والنساء والحركات العمالية والمهاجرين في معظم قواعد البيانات للمنتزهات والحدائق الوطنية والمتاحف والنصب التذكارية، إلى جانب محو المحتوى العلمي المرتبط بالتغيير المناخي. وهنا تبرز المفارقة في عدم مشاركة شرائح واسعة من الأميركيين في احتفالات الاستقلال، بسبب ارتفاع غير مسبوق لدرجات الحرارة يعتبر أكبر دليل على أزمة المناخ، التي يشكك ترامب بها، ويرفض الاتفاقات التي تعالج آثارها.
وصَف مارك توين الساسة المعادين للمهاجرين بأنهم ’حثالة‘ و’جالسون في الظلمة‘
هذه الفئات المهمشة تشكل عدواً حقيقياً للترامبية، وهو ما دفعها لإعاقة عمل لجنة أميركا 250 التي أقرها الكونغرس عام 2016 ولم تتلق سوى 25 مليوناً من أصل 150 مليوناً مرصودة لاحتفالات الاستقلال، ومُنح عطاء تنظيمها لمبادرة أخرى باسم حرية 250 تلتزم بنظرة عنصرية للمجتمع الأميركي وتاريخه. بمعنى أدق، رفَض ترامب رؤية المؤسسة الرسمية نفسها، ليتسبب بانسحابات واسعة من قبل موسيقيين بدعوى تسييس المناسبة.
خاطب الرئيس الأميركي جمهوره
ارسال الخبر الى: