أمل دنقل في غرفة الطبيب الشرعي دم على الورق

يمنات
عبد السلام فاروق
هل تعرفون سر الشعور الذي ينتابكم حين تقرأون كتابًا فتصابون بالغيرة؟ الغيرة من الكاتب طبعًا، لا من شخص آخر.
هذا إحساس نادر لا يحدث إلا حين يكون الكتاب استثنائيًا إلى درجة تجعلك تتمنى لو كنت أنت من كتبه، أو على الأقل لو كنت تملك الموهبة الكافية لتكتب مثله. هذا ما شعرت به بالضبط وأنا أقلب صفحات كتاب (صورة الدم في شعر أمل دنقل) للدكتور منير فوزي، الصادر عن دار المعارف عام 1995 في 342 صفحة. شعرت بالغيرة، وشعرت بالخجل، وشعرت قبل كل شيء بأنني مدين باعتذار متأخر لهذا الناقد العملاق الذي أمضى سنوات من عمره يتتبع صورة الدم في شعر أمل دنقل، بينما كنت أنا، مثل كثيرين غيري، أمر على القصائد مرور الكرام، أتأمل جمالها وأنفعل بها، دون أن أكلف نفسي عناء السؤال كيف صنعت هذه القصيدة؟ ولماذا توجعني بهذا الشكل؟
المشكلة أن هذا الكتاب، على روعته، يكاد يكون مجهولًا. لا أعني أنه غير معروف في الأوساط الأكاديمية المتخصصة، لأنني أظن أن الدارسين يعرفونه ويقدرونه، لكنه غير معروف بالنسبة لي ولكم، للقارئ العادي الذي يحب الشعر ولا يتعامل معه باعتباره مادة للتشريح. وهذا ظلم فادح، ليس للكتاب وحده، بل لنا نحن القراء الذين حُرمنا متعة اكتشاف طبقات خفية موجودة في شعر أحد أعظم شعراء العربية في القرن العشرين.
سيمياء الشيء الواحد
أكثر ما أدهشني في هذا الكتاب هو قدرة الدكتور منير فوزي على تحويل شيء مادي بحت – الدم – إلى كون كامل من الدلالات. الدم في شعر دنقل، كما يثبت المؤلف باقتدار، ليس مجرد سائل أحمر يسيل من الجروح. إنه لغة و نظام متكامل من الإشارات والرموز التي تتداخل فيها الأسطورة بالتاريخ بالدين بالسياسة.
تخيلوا معي أن دم (الحسين بن علي) في قصائد دنقل يتغير ويتبدل ، تحت مجهر فوزي التحليلي، من علامة دينية مقدسة إلى استعارة سياسية لمقاومة الاستبداد. وتخيلوا أن أسطورة أوزوريس الفرعونية تصبح مرآة نرى فيها جسد الأمة العربية المقطع الأوصال. كما
ارسال الخبر الى: