أمراض السعادة تفكيك سوسيولوجي لأوهام النجاح والفشل
يطرح عالم الاجتماع الفرنسي هوغ لاغرانج في كتابه أمراض السعادة (صفحة سبعة، ترجمة: علي يوسف أسعد، 2025) أسئلة معمّقة تجمع بين الفلسفة وعلم الاجتماع لتحليل التغيرات التي طرأت على مفهوم المرض في المجتمعات الحديثة. ينطلق الكتاب من ملاحظة أساسية مفادها أن البشرية انتقلت، خلال القرن العشرين، من هيمنة الأوبئة والأمراض الجماعية إلى انتشار أمراض فردية، جسدية ونفسية، ترتبط بأنماط الحياة والظروف الاجتماعية. هذا التحول ترافق مع ارتفاع متوسط العمر المتوقع وتغير جذري في أسباب الوفاة، حيث باتت الاضطرابات النفسية والسلوكية، مثل القلق والاكتئاب والإدمان، جزءاً أساسيّاً من التجربة الإنسانية.
يربط لاغرانج (1951) هذه الظاهرة بما يسميه دُوار الحرية، أي التوسع الكبير في هامش الحرية الفردية وما رافقه من تضخم في الإحساس بالمسؤولية الشخصية. فمع تراجع القيود الاجتماعية التقليدية، وضمور دور المؤسسات التي كانت تؤطر السلوك، وجد الأفراد أنفسهم أمام أفق مفتوح من الخيارات، لكنه محمّل بالقلق والضغط. ويشير إلى أن هذا التوتر يتجلى بشكل أوضح في المجتمعات التي تعلي من شأن الاستقلالية الفردية، مقارنة بمجتمعات أخرى.
في سياق موازٍ، يسلّط الكتاب الضوء على أثر التنافس المتزايد في مجالات التعليم والعمل، حيث تسود ثقافة الاستحقاق بوصفها معياراً وحيداً للنجاح. هذه الثقافة، رغم طابعها العادل ظاهرياً، تضع الأفراد تحت ضغط مستمر، إذ تجعلهم مسؤولين بالكامل عن مصائرهم، سواء في النجاح أو الفشل. ومع انتشار البطالة وتراجع الاستقرار المهني، يتفاقم الشعور بالذنب والعار لدى الأفراد، ما يساهم في تعزيز حالات القلق والاكتئاب.
دعوة لتجاوز منطق التنافس وترسيخ أكبر للعدالة الاجتماعية
غير أن لاغرانج يذهب أبعد من ذلك، حين يطرح مسألة الدور الذي تلعبه العوامل الوراثية في تشكيل القدرات الفردية، خاصة الذكاء، ويستند في ذلك إلى أبحاث علمية تشير إلى تداخل معقّد بين العوامل البيولوجية والبيئية. ورغم غنى هذا الطرح، تبرز إشكاليات تتعلق بتبسيط بعض النتائج العلمية أو تعميمها، خاصة عند الحديث عن نسب وراثة الذكاء، التي قد تُفهم بشكل خاطئ إذا أُخذت بمعزل عن سياقها. كما أن التركيز على المحددات البيولوجية قد
ارسال الخبر الى: