أكروتيري قاعدة بريطانية في قبرص بين إرث الماضي وحسابات الحاضر
60 مشاهدة
لم تأت قاعدة أكروتيري الجوية البريطانية في قبرص إلى قلب الجدل السياسي المحتدم مع الحرب الإسرائيلية الأميركية على إيرانnbsp من فراغ فالمكان الذي يعود إلى واجهة الأخبار مع كل تصعيد إقليمي يحمل في طبقاته تاريخا طويلا من الحسابات الإمبراطورية والتحالفات الغربية وهو تاريخ تكشف عنه وثائق محفوظة في الأرشيف الوطني البريطاني تعود إلى ما قبل استقلال قبرص بسنوات طويلة غير أن هذا الإرث التاريخي عاد ليفرض نفسه بقوة بعدما صرح رئيس الوزراء البريطاني كير ستارمر أن بلاده سترسل المدمرة إتش إم إس دراغون ومروحيات إلى قبرص بعد استهداف القاعدة قاعدة أقدم من الأزمة ما الذي تكشفه وثائق الأرشيف بحسب الوثائق الأرشيفية كانت قبرص حتى أواخر القرن التاسع عشر جزءا من الإمبراطورية العثمانية قبل أن تنتقل إدارتها إلى بريطانيا عام 1878 لأغراض إدارية من دون تنازل رسمي عن السيادة ومع اندلاع الحرب العالمية الأولى وانضمام الدولة العثمانية إلى دول المحور ضمت بريطانيا الجزيرة رسميا إلى التاج البريطاني وهو ما جرى الاعتراف به لاحقا في معاهدة لوزان عام 1923 قبل أن تتحول قبرص عام 1925 إلى مستعمرة بريطانية كاملة وتظهر وثائق الأرشيف الوطني أن الأهمية الاستراتيجية لقبرص لم تكن ثابتة فقد تراجعت مكانتها العسكرية في المراحل الأولى من الحكم البريطاني قبل أن تستعيد ثقلها مع بدايات الحرب الباردة ومنذ أواخر الأربعينيات بدأت لندن تنظر إلى الجزيرة بوصفها نقطة ارتكاز متقدمة لمراقبة الشرق الأوسط ودعم منظومات الدفاع الغربي خصوصا مع تصاعد التنافس مع الاتحاد السوفييتي في البحر المتوسط عند إعلان استقلال قبرص في 16 أغسطس آب 1960 لم يكن الانفصال عن بريطانيا كاملا فقد ضمنت الاتفاقيات التي رافقت الاستقلال احتفاظ لندن بمنطقتين تحت سيادتها الكاملة أكروتيري وديكيليا بما يمثل نحو 2 9 من مساحة الجزيرة صيغة قانونية هجينة أبقت هذه المناطق خارج السيادة القبرصية مع إخضاعها في الشؤون المدنية للقوانين المحلية لكنها رسخت وجودا بريطانيا دائما في قلب شرق المتوسط حين اصطدم خيار الانسحاب بالضغط الأميركي منذ ذلك التاريخ لم تعد هذه القواعد مجرد منشآت عسكرية ثابتة بل تحولت إلى عناصر فاعلة في التوازنات السياسية الإقليمية وتكشف الوثائق الممتدة بين عامي 1960 و1978 أن لندن أعادت مرارا تقييم جدوى الاحتفاظ بمناطق السيادة البريطانية لا سيما في ظل الضغوط الاقتصادية التي واجهتها في سبعينيات القرن الماضي وطرحت في أكثر من مرحلة خيار الانسحاب الكامل غير أن هذا الخيار اصطدم بحسب الوثائق بمعارضة أميركية واضحة ففي عام 1974 ومع اندلاع الأزمة القبرصية والتدخل العسكري التركي مالت بريطانيا إلى تقليص وجودها العسكري إن لم تصل إلى حد الانسحاب الكامل إلا أن الضغط الأميركي الذي قاده حينها وزير الخارجية هنري كيسنجر دفع لندن إلى التراجع انطلاقا من اعتبار واشنطن أن أي انسحاب بريطاني سيقوض قدرة الغرب على مراقبة شرق المتوسط والشرق الأوسط ويضعف منظومة الأمن الأطلسي في لحظة شديدة الحساسية من منصة دعم إلى عقدة أمنية في هذا السياق برزت قاعدة أكروتيري بوصفها أكثر من مجرد قاعدة جوية فقد احتضنت شبكة مترابطة من المنشآت العسكرية والاستخباراتية شملت محطات رادار وإنذار مبكر ومراكز اتصالات استخدمت في دعم عمليات حلف شمال الأطلسي وجمع المعلومات عن التحركات العسكرية في المنطقة وتشير الوثائق إلى اعتماد الولايات المتحدة على هذه القاعدة في عمليات استطلاع حساسة بعضها جرى بعيدا عن الأضواء وبموافقة ضمنية من السلطات القبرصية اليوم تؤدي قاعدة أكروتيري دورا يتجاوز كونها قاعدة دعم لوجستي إذ تعد الركيزة الأساسية للعمليات الجوية البريطانية في الشرق الأوسط ومنصة للانتشار السريع وإدارة الأزمات غير أن التطورات الأخيرة أظهرت تحولا أكثر حساسية بعدما باتت القاعدة نفسها داخل دائرة التهديد مع تفعيل صافرات الإنذار واعتراض طائرات مسيرة وإقلاع مقاتلات بريطانية ونشر أنظمة دفاع إضافية هذا الواقع حول أكروتيري من موقع عسكري متقدم إلى اختبار سياسي داخلي لحكومة كير ستارمر وحدود قدرتها على إدارة الأزمات الخارجية من دون الوقوع في فخ الانجرار التدريجي فرغم تكرار رئيس الوزراء التأكيد أن بريطانيا ليست في حالة حرب ولا تشارك في الضربات الهجومية ضد إيران تظهر الوقائع الميدانية أن القاعدة باتت جزءا من معادلة عسكرية نشطة سواء عبر تعزيز دفاعاتها أو السماح باستخدامها في استهداف منصات صاروخية أو رفع مستوى الجاهزية الجوية فيها في هذا المعنى لم تعد أكروتيري ملفا دفاعيا تقنيا بل تحولت إلى عقدة سياسية تختبر قدرة القيادة البريطانية على ضبط دورها الخارجي في بيئة إقليمية سريعة الاشتعال قاعدة تحمل تاريخا إمبراطوريا موثقا في الأرشيف وتفرض في الحاضر قرارات لا يمكن فصلها عن كلفتها السياسية مهما جرى تغليفها بلغة عدم الانخراط