أفغانستان مملكة الضياء بلاد السرديات الصغرى

60 مشاهدة
بخلاف مناطق ارتكز تاريخها الثقافي على سردية كبرى جامعة مثل مصر النيل وفارس الإمبراطورية تقدم أفغانستان فضاء تعدديا لم تستقر فيه رواية مهيمنة طويلة الأمد وهو ما منحها طابعا خاصا لئلا نقول إشكاليا في التمثيل المعرفي من يريد أخذ أفغانستان بلدا لحكاية واحدة فسيجد نفسه أمام امتياز إبداعي جديد مفاده السرديات الصغرى نعم أفغانستان هي بلاد السرديات التي تتجاور من دون أن تبتلع إحداها الأخرى فيصبح لها كرش تاريخي يكتب الحجر والورق والخشب والقماش قصصا لا تبحث عن مركز أو هكذا يبدو الإبداع حين لا يدور حول مقولات صارت مكدسة ومقدسة ولعله كان حظها ولعله حظنا أيضا أن نعدل زاوية الرؤية ونعاين معرض مملكة الضياء إبداعات وحكايات أفغانستان المستمر في متحف الفن الإسلامي بالدوحة حتى 30 مايو أيار المقبل فلا تواتر كرونولوجيا محليا ولا ثمة متوالية دروس تاريخية بل تماس مستمر مع غرباء وعابرين وحالمين وطامعين ومسالمين على طريق الحرير الذي يزدهر هنا حجر قرب الذهب وفضة تقابل الورق وخشب بجانب شاشة ومنسوجة معاصرة يتأملها ناس في صور فوتوغرافية ومخطوطات بالخط العربي تعبر كل صروف الدهر ولا تبلى تماثيل أولى مر كثيرون وأحيانا من دون أن يتركوا أسماءهم على الحجر تاركين أثرهم الأسلوبي كما مرت مجتمعات العصر البرونزي ثلاثة آلاف سنة قبل الميلاد في الشمال تحديدا حيث تظهر التماثيل الحجرية الأولى أجسادا مشدودة إلى وظيفة لا إلى جمال معزول ثم تتكشف طبقات باختريا الألف الثاني قبل الميلاد من خلال ما بقي من تماثيل تدفن في القبور ومعادن تصاغ للحماية ومدن تتحكم في طرق العبور nbsp من تماثيل العصر البرونزي إلى المخطوطات والمنسوجات المعاصرة بعد ذلك جاءت الكوشانية من القرن الأول قبل الميلاد إلى الثالث الميلادي ومعها اتسعت الممرات بين آسيا الوسطى وشبه القارة الهندية هنا لا تتغير السياسة فقط بل الخيال البصري أيضا ثم تأتي طبقة الإسلام المبكر مع وصول الجيوش العربية في القرن السابع الميلادي وحينها وقع تغير في اللغة الرمزية وفي علاقة النص بالصورة ومركزية الكتابة وبداية حضور المخطوط بوصفه حاملا للمعرفة والشرعية تيمورية وصفوية ومع عهود لاحقة تتكثف إمبراطوريات الفن من تيمورية وصفوية بين القرنين الخامس عشر والسادس عشر ميلادي في مرحلتين بصريتين متمايزتين الأولى يحضر فيها المخطوط المصور والثانية يضيق المشهد ويتحول السرد إلى مساحة أكثر قربا وتدخل فيها التفاصيل اليومية والطبيعة عناصر فاعلة ذات دقة وبذخ وصولا إلى المعاصر الذي تنظر إليه سواء أكان وريثا مطيعا أو مستقلا مستجيبا لعبارة أبناؤكم ليسوا لكم فتكون بالضبط أمام منسوجة خادم علي في 2025 هذه طبقة جديدة لا تستعير شرعيتها من القدم بل من قدرتها على صياغة الجرح بلغة مادية دقيقة العمل لا يكتفي بأن يكون قصة بل أثرا يحمل رموزا وهوية تتعرض للضغط ثم تبقى لأنها تتحول إلى مادة في إطار تميز أفغانستان لا يأتي من تفرد رومانسي إنما من ثلاثة عناصر متراكبة تظهر في المعرض من دون أن تعلن عن نفسها صراحة أولها بالطبع هو الجغرافيا المعبر فأفغانستان تقع في قلب شبكة طرق تربط الهضبة الإيرانية بآسيا الوسطى وبشبه القارة الهندية هذه ليست معلومة جغرافية فقط بل حقيقة جمالية أيضا حيث المعبر يعلم الثقافة كيف تستقبل وكيف تعيد الصياغة ثانيها تعددية المواد حين يضع المعرض حجرا منحوتا قرب ورق مذهب ثم يقفز إلى الخشب والقماش عليه فإن المادة ليست حاملا محايدا هي لغة وثالثها استمرارية الصنعة أكثر من استمرارية السلطة تواريخ وجماليات ما يتكرر عبر التواريخ والجماليات شواهد ليست لتمجيد اسم الحاكم وإنما اليد التي نحتت وطعمت وشكلت المعادن وضبطت السطوح واعتنت بالزخارف المعرض يلمح إلى هذا حين يضع مجسم مدينة كابول ومجسم باتاي حاجز خشبي داخلي بألواح منزلقة يعرف محليا باسم باتاي قريبين من المخطوطات والتماثيل كأنه يقول إن المدينة ليست حدثا سياسيا إنما نظام حياة يصنعه نجار كما يخطه ناسخ ويشيده معمار كما يصوغه صائغ السينوغرافيا في مملكة الضياء لا تتعامل مع القطع أدلة إثنوغرافية ولا غنائم تاريخية هي تقترح مسارا يبني معرفة بطيئة مجسم كابول ليس منظرا بل نسيج من أسطح وأفنية وأزقة قابلة للإغلاق تفاصيل دفاعية ومعيشية ثم يوضع أمام باب والباب يصير حدا ثم تأتي الشاشة بالحركة فتدخل المدينة في زمن جديد اعتراف في المقابل حين تظهر المخطوطات المصورة عن الإسكندر ويأجوج ومأجوج وإرم لا تبدو حكايات تقرأ بوصفها خيالا سياسيا ودينيا يوسع حدود المكان هنا تكبر أفغانستان من جغرافيا إلى مسرح nbsp ملون ثم يعود المعاصر فيرتق ما تباعد في عمل نسيجي يقول إن الإنسان يحمل قصته معه حتى في المنفى لسائل أن يسأل لماذا لم تقدم هذه البلاد معرفيا كما يليق بها لأن تقديمها يتطلب الاعتراف بتعقيدها أو على الأقل بتركيبها من السهل أن تعرض أفغانستان خبرا سياسيا أو جغرافيا جبلية وتاريخها يسيل من كهف نحو واد ينتهي إلى حقل سري للخشخاش من الأصعب أن تعرض حكاياتها من العصر البرونزي إلى الفن المعاصر من وظيفة الحرز الجنائزي إلى وظيفة الصورة الحديثة من العمارة التي تدير الخصوصية إلى المخطوط الذي يدير الخيال لربما الآن تبدأ السيرة الجديدة تستعيد قديمها وتستعيد أنفاسها وتربط الأزمان الماضية والمضارعة بالمستقبل إن ما يليق بأفغانستان هو معرفة تتعامل معها باعتبارها مجال تلاقح طويل لا هامشا معرفة في المعرض مأخوذة من المشي والصمت في حضرة فنون اشتغلتها أياد مسالمة حفظت العبور عن ظهر قلب

ارسال الخبر الى:

ورد هذا الخبر في موقع العربي الجديد لقراءة تفاصيل الخبر من مصدرة اضغط هنا

اخر اخبار اليمن مباشر من أهم المصادر الاخبارية تجدونها على الرابط اخبار اليمن الان

© 2016- 2026 يمن فايب | تصميم سعد باصالح