أعداء الداخل ووهم الإجماع

115 مشاهدة

لا يوجد في عالمنا الحديث نظام استبدادي لم يستخدم مصطلح أعداء الداخل، بل يكاد يكون المشترك الرئيس بين معظم أنظمة الاستبداد. أعداء الداخل هم كل من يعارض النظام في هذا البلد أو ذاك أو لا يؤمن بشرعيّته، كل من يطالب بمسار سياسي واقتصادي معاكس لمسار النظام، كل من لا يخضع لآليات النظام ويطالب بالمواطنة ويناضل من أجل حقوقه. وحين يقرّر نظام ما اعتبار فئة أو فئات من المجتمع من أعداء الداخل لا يفعل هذا فجأة ولا عبثاً، بل عبر مسار ممنهج ومدروس من التهيئة والتعبئة النفسية والرمزية، والتي تبدأ باختراع سرديةٍ تخصّ هؤلاء وتلصق بهم تهماً من نوع التعامل مع الخارج والعمل لمصلحته، وتهديد الأمن والاستقرار، وعرقلة مسيرة البناء أو التطور، فيصبح وجود هؤلاء لدى باقي الفئات بمنزلة خطر وجودي، يتم نزع الإنسانية عنه شيئاً فشيئاً عبر اختزال مطالبه وسلوكه بصفاتٍ مثل الغدر والخبث والخيانة والكفر، بينما يحدُث ما يشبه التطهر للفئات الأخرى المؤيدة للنظام، ويُطلَق عليها صفات الوطنية والأمانة والصدق والحق والإيمان.

الأكثر خطورة في سردية أعداء الداخل هو التعميم على جماعاتٍ بأكملها، بحيث تصبح الاستثناءات المؤيدة للنظام هي التي تثبت قاعدة التعميم لا العكس، فتصبح هذه المجموعة كلها (هكذا) وأفرادها كلهم خبيثين وكفرة وخونة، وتاريخ هذه المجموعة (كله) يؤكّد عمالتها وخبثها وإجرامها، حتى رموزها الوطنية تتحوّل إلى رموز ملفقة في الوعي الجمعي للمجموعات المؤيدة للنظام. هكذا تتحوّل الجماعة إلى كتلة واحدة تجري شيطنتها تماماً، وتتحوّل في المقابل الجماعة المضادّة إلى كتلة واحدة تتم تبرئتها بالكامل، فيتم غض النظر عن مجرميها وخونتها وعملائها بعد أن جرت إعادة تدويرهم في عباءة هوية الجماعة وفي الوعيين، الجمعي والفردي، لها ولأفرادها.

في مقابل ذلك كله، تسعى أنظمة الاستبداد إلى إشاعة وهم الإجماع لدى مؤيديها، وتستخدم لذلك كل ما تملكه من أدوات ومؤسّسات ومنابر: الفن عبر إدارة خلفية له توجهه نحو الهدف، الإعلام بكل وسائله بما فيها الافتراضية عبر من يطلق عليهم لقب مؤثرين تختارهم بعناية، منابر المؤسّسات الدينية وخطب رجالها، مثقفون موالون

ارسال الخبر الى:

ورد هذا الخبر في موقع العربي الجديد لقراءة تفاصيل الخبر من مصدرة اضغط هنا

اخر اخبار اليمن مباشر من أهم المصادر الاخبارية تجدونها على الرابط اخبار اليمن الان

© 2016- 2026 يمن فايب | تصميم سعد باصالح