أسطول الصمود العالمي من أجل فكر يسند محاولات كسر حصار غزة

81 مشاهدة
تقدم أسطول الصمود العالمي عبر المتوسط في محاولة جديدة لكسر الحصار على غزة حتى شارف سواحلها ليواجه غطرسة الاحتلال الإسرائيلي بتعبئة أوسع مما اعتمدته محاولات سابقة وفي ظل سياق دولي غاضب من ممارسات الاحتلال في غزة ذهب في ظن البعض أن التعامل الإسرائيلي سيكون مختلفا لكن هل يتورع من حاصر غزة قرابة 18 عاما وأقدم على حرب إبادة طوال عامين على الاعتداءnbsp عمن يحاول كسر هذا الحصار حيال هذا الواقع القاسي الذي يعيشه الفلسطينيون في غزة سنشعر بأن التفكير الجدي في مسألة كسر حصار غزة قد تأخر كثيرا وإذا كنا نشاهد مع صور شهداء التجويع إلى أين يمكن أن تصل جريمة الحصار فمن الوجيه بشكل عام أن نفكر كيف لا يعاد استعمال هذه الوسيلة الشيطانية في معاقبة الأبرياء من أجل تحقيق أغراض سياسية أو عسكرية مهما تكن فك الحصار عن غزة هو أيضا فرصة كي تفكر البشرية في أدوات ناجعة للجم المعتدين إذا تمادوا في جرائمهم الأصل في الأشياء الحصار إذا كانت الأضواء قد سلطت على حصار غزة مع حرب الإبادة فعلينا أن نعرف أن الحصار على الفلسطينيين يكاد يكون قائما طول الوقت في غزة وخارجها فمع إفراط جيش الاحتلال في سفك الدماء والتجويع لفتت الجريمة الجارية الأنظار نحو الجريمة الممتدة لعقود وحتى لو قصرنا النظر في حدود الحرب المتواصلة فسنجد أن عملية طوفان الأقصى تقرأ من أحد المنظورات بوصفها ردة فعل على الحصار الغاشم الذي لا بد أن يؤدي إلى انفجار وهذا المنظور مما تتحاشاه إسرائيل حيث يضرب عمق روايتها حول الحرب على غزة أينما ولينا وجوهنا في فلسطين سنجد أن الحصار ماثل حواجز وجدران واستيطان بل قد يمتد بنا القول إلى كون الحصار المضروب على غزة وفلسطين عموما لا تسهر إسرائيل وحدها على استمراره إنما يدخل ضمن عناصر بنيوية للنظام الإقليمي والعالمي أليست الولايات المتحدة الأميركية شريكا مباشرا في حصار غزة وذلك الفيتو الذي ترفعه واشنطن في نيويورك كل مرة ألا يدفع ثمنه آباء وأمهات بأرواح أبنائهم في رفح وجباليا ولنتذكر أن بين سفينتي مادلين وحنظلة كانت قافلة الصمود المغاربية البرية التي انطلقت من تونس العاصمة قد توقفت في شرق ليبيا كما أجهضت مبادرات مصرية كثيرة طمحت جميعها لكسر الحصار برا وبذلك نفهم أن تحرير فلسطين يستدعي فك أكثر من حصار خصوصا تلك التي ألفها الناس فاعتقدوا أنها من طبيعة الأمور لنعترف أن البشرية لا تزال قليلة التجربة في مواجهة هذا النوع من الغطرسة فلطالما فرض الأقوياء مشيئتهم بقوة الحديد والنار وغيرهما من وسائل القوة فيما الأغلبية صامتة لا تملك ما تفعله لرفع مظلمة هنا أو هناك والغريب أن المعارف هي الأخرى متواطئة في الأمر فمثلا تتسم الأدبيات العسكرية عموما بالقصور في تقديم حلول تتعلق بتجاوز حالات الإخضاع سنرى ذلك بوضوح حين نقارن ما كتب حول تنفيذ الحصار وما كتب عن كيفية كسره فإذا وجدنا أن منظرا مثل الفرنسي سيباستيان دو فوبان القرن السابع عشر قد اشتهر بنظرياته حول تسيير الحصارات فلن تجد في المقابل منظرا معروفا لاستراتيجيات إنهاء الحصارات وكذلك العقول الهندسية التي اخترعت المنجنيق والرؤوس الكبشية الناطحة للجدران المحصنة للقلاع لثقبها لا تضاهيها عقول تخترع أدوات مضادة فيلتجئ المحاصرون عادة إلى وسائل بسيطة مثل حفر الأنفاق أو نقل رسائل للخارج وترقب المساعدة هكذا تبدو العلوم العسكرية في معظمها خادمة للمهاجمين أما المحاصرون كونهم الحلقة الأضعف فلا يحظون بالاهتمام الكافي ولعل للأمر سببا معرفيا نابعا من مفارقة تتعلق بموضعة عملية فك الحصار ضمن الممارسات العسكرية والتي تنقسم إلى دفاعية وهجومية فإذا تساءلنا أين توضع استراتيجيات فك الحصار هل تعتبر هجوما أم دفاعا سنجد أنها هجوم في إطار الدفاع فوقعت في منطقة ظل بين قطبي المنظورات العسكرية حتى القواميس والموسوعات التي تعنى بالتاريخ العسكري فهي تغفل فك الحصار بوصفه موضوعا قائما بذاته وكأنه ليس من الحرب في شيء بل إن بعضها لم يتطرق حتى إلى الحصار ذاته فعلى سبيل المثال لا يأتي ذكر لفك الحصار في عمدة كتب الأدبيات العسكرية عن الحرب لكارل فون كلاوزفيتز ولا أثر له في نصوص أنطوان هنري جوميني وقد فصلت العمل الحربي في فروع رئيسة الاستراتيجية اللوجستيات فن الهندسة التكتيك الكبير والتكتيك التفصيلي ولم يتسع أي منها لمفهوم فك الحصار فيما لم يخصص بول دانيال رينييه مدخلا للحصار في قاموسه للجغرافيا العسكرية لقد أتت هذه التنظيرات من بيئات غازية فلن تأتي لتقدم تصورات تعقد على الغزاة الوصول إلى مآربهم في المصنفات العربية في العلوم العسكرية يبدو النقص أوضح فمدخل حصار أصلا غائب في المعجم العسكري المصور وهو أحد أضخم المؤلفات العسكرية العربية شريف حضري مكتبة مدبولي 2004 الأمر ذاته يتكرر في الموسوعة السياسية والعسكرية لفراس البيطار دار أسامة عمان 2003 التي تفتقر أيضا إلى مدخل حصار بينما يذكر مدخل حصار في الموسوعة العسكرية المؤسسة العربية للدراسات والنشر 1981 إلا أنه يقتصر على تعريف وتعداد عناصر وأمثلة دون التطرق إلى فك الحصارات تكاد تقنعنا هذه الفراغات في القواميس والموسوعات بأن جريمة الحصار أمر نادر في اشتباكات الجماعات البشرية في حين أن المتأمل سيرى أن الحصار بوصفه ظاهرة حاضر في تاريخ العلاقات الدولية أكثر من الحرب نفسها ليس له بروزها وصداها لكنه يصاحبها أو يهيئ لها الأرضية وقد يبقى بعدها فكل استراتيجيات الهيمنة وهي لو أمعنا النظر من ركائز ما يسمى فترات سلام في العالم تعتمد بشكل أساسي على الحصار وإن جميع الأطروحات الجيو ستراتيجية قائمة على رؤية حصارية مثلا لو نظرنا إلى جغرافية حلف الناتو تأسس عام 1949 في مختلف صيغه ألم يشكل من أجل محاصرة الاتحاد السوفييتي فيمنعه من التمدد غربا ومع نهاية الحرب الباردة دعي إلى مهمات أخرى كما أنشئ حلف السنتو حلف بغداد 1955 وما جغرافيته إلا خط لا تخطئه العين على الخريطة يربط تركيا بباكستان مرورا بالعراق وإيران بهدف منع تسرب الهيمنة السوفييتية إلى الشرق الأوسط جنوبا بعد ذلك فإن معظم الحروب لا تخاض إلا إذا مهدت لها الحصارات وغير بعيد عن الأذهان حصار العراق في تسعينيات القرن الماضي وأفضى لإسقاط نظام صدام حسين في 2003 يعمل الحصار على خنق الفريسة ثم تأتي الضربة العسكرية لتجهز عليها وإذا تردد أن لكل الحروب خسائر بشرية يمكن القول مع القائلين إنها جانبية فإن الحصار إذا أطبق خصوصا بشكله الإسرائيلي المتوحش في غزة تصبح الخسائر البشرية هدفا في ذاتها حتى تكون للضغط فاعلية أكبر إسرائيل بوصفها كيانا يعمل على فك حصاره حين نتحدث عن استعمال إسرائيل المفرط للحصار في حالة غزة وفي غيرها من فصول الصراع نكاد ننسى الوضع الجيوسياسي الذي نشأت فيه إسرائيل عام 1948 وعليه بنت عقيدتها الأمنية انظر في ذلك ورقة الباحث فادي نحاس ضمن دليل إسرائيل العام 2020 مؤسسة الدراسات الفلسطينية فالكيان الصهيوني وضعية ناتئة في التاريخ السياسي لدولة معادية لجميع جيرانها كما تقول عبارة شائعة وهي وضعية جعلت قادتها يعملون على فك الحصار الذي أوجدوا أنفسهم فيه أو أوجدتهم فيه المهام الموكولة إليهم الأشغال الوسخة التي تحدث عنها المستشار الألماني أخيرا وذلك عبر أدوات الحرب أو وسائل السلم ومن هذا المنظور يمكن أن نعود إلى خطوات التطبيع التي أقدمت عليها أنظمة عربية كثيرة من كامب ديفيد إلى الاتفاقيات الإبراهيمية كعمليات فك حصار لمصلحة إسرائيل وبذلك نقف على مفارقة يوجد ذهاب عربي نحو فك الحصار على إسرائيل ويوجد عجز أو إحجام عن فك حصار غزة الحصار بهذا المعنى هو نتيجة لهيمنة الثقافة العسكرية في إسرائيل وهذه الأخيرة مرتبطة بعدم وجود خيار للاحتلال سوى الحرب والاستعداد دائما للحرب كما بين المفكر العربي عزمي بشارة في كتاب من يهودية الدولة إلى شارون دراسة في تناقض الديمقراطية الإسرائيلية 2005 بسبب نشوئها في وسط كامل من الدول العربية المحيطة بها تتفوق في العدد والاقتصاد والجغرافية لذا سعت إسرائيل إلى تعويض هذا النقص بتفوق محلي على الجبهات العينية لكن الأهم من ذلك كما يوضح بشارة أن إسرائيل قامت بشكل ديناميكي على تعريف نفسها ومواطنيها من خلال حالة التأهب الدائم للحرب فأنشأت مواطنيها عبر الخدمة الإجبارية وإبقاء كل فرد على استعداد دائم للاستدعاء وهؤلاء إن لم تكن هناك حرب بالمعنى الدقيق للكلمة سيكون من الضروري اختلاقها ويأتي الحصار كإحدى وسائل إدامة الحرب أو الحرب بوسائل أخرى بالنسبة لإسرائيل وبالتدريج تحول الشعور بالحصار من مجرد واقع جيوسياسي إلى عقيدة تأسيسية تبرر الوجود ذاته nbsp وإن الحرب على غزة منذ أكتوبر 2023 يمكن أن تقرأ أيضا من منظور اشتغال الاحتلال على فك بعض من أشكال الحصار المضروبة عليه في المنطقة وعلى رأسها الحصار الذي ضربته تدريجيا إيران على الكيان الصهيوني ضمن ما عرف بمحور الممانعة حزب الله شمالا والحوثيون عبر البحر الأحمر إضافة إلى إمكانية تفعيل جبهات في سورية والعراق أضف إلى ذلك ادعاء إسرائيل أن حماس إحدى أذرع طهران في المنطقة لذلك حين لم يحقق جيش الاحتلال انتصارات ذات زخم في القطاع أخرج جنرالاته من الرفوف سيناريوهات حروب مبرمجة سلفا فانتقل لحرب على حزب الله في لبنان سبتمبر 2024 ثم ذهب إلى أبعد حد في المقامرة بمستقبل إسرائيل بخوض حرب ضد إيران في يوليو 2025 من المنظور ذاته يمكننا العودة إلى حرب 1967 لطالما لوح عبد الناصر في خطاباته بضرب حصار بحري على إسرائيل تتيحه الجغرافية بما أن مصر تقابل الواجهتين البحريتين لفلسطين المحتلة في المتوسط والبحر الأحمر فكان رفع هذا التهديد من بين دوافع الضربة الإسرائيلية على مصر على الأقل وقتيا تماما كما حصل مع التهديد النووي الإيراني في أيامنا ثم أكملت المهمة اتفاقيات السلام لاحقا 1979 بتحييد مصر وضمان منعها من كل مناورة حصارية تجاه إسرائيل وقد أتاحت هذه الحرب غنيمة أكبر لإسرائيل في سبيل عملها لفك الحصار المضروب عليها في محيطها فقد ضمنت الانحياز الأميركي المستمر إلى اليوم وآخر فصوله مقترح مجلس السلام الذي اقترحه الرئيس الأميركي دونالد ترامب أليس رفع الحصار عن حكومة نتنياهو أحد عناوينه البارزة الوعي الإسرائيلي بمسألة الحصار لم ينتج عقيدة أمنية تقوم على مبدأ الضربات الحربية الاستباقية فحسب بل أفرز أيضا نزعة لعكس الحصار نحو الغير وكان الفلسطينيون على أرضهم في مواجهة مباشرة مع هذه السياسة التي تتجسد حصارا وحشيا في غزة وبأشكال أخرى في بقية الجغرافية الفلسطينية المحتلة ضمن صيغ عديدة وما الحصار في النهاية إلا صورة أخرى من الضربات الاستباقية بل لعله منهج التدمير الأساسي الموجه ضد الشعب الفلسطيني وانظر إلى ما يجري يوميا من اقتحامات واعتقالات وقتل بدم بارد وصولا للتنسيق الأمني جميع هذه الممارسات تدل على أن شعور الإسرائيلي بأنه محاصر قد انقلب إلى انشغال بتسليط فكرة الحصار بحق الفلسطينيين طول الوقت بعبارة أخرى لا يضمن أمان المستوطن في الرؤية الإسرائيلية إلا خنق صاحب الأرض هذه العقلية يحللها كتاب للباحث الإسرائيلي إيلان بابيه بعنوان دال أكبر سجن على الأرض صادرة ترجمته العربية عام 2020 عن دار نوفل بيروت ويشرح فيه طيفا من المقاربات الإسرائيلية في التعامل مع الفلسطيني لم تخرج عن ثلاثية القتل التهجير والحصار التضييق في الرزق الهندسة القائمة على الفصل والمراقبة وبين هذه الأشكال الثلاثة من القمع يتبين أن الحصار هو الأقل تكلفة خاصة إذا بقي غير مرئي لأنه يؤمن إجهاض أي تهديد ممكن ليس التهديد المسلح وحده بل حتى تهديد إقامة دولة فلسطينية إذا اعتبرنا ذلك تهديدا بالفعل وحده الضغط الشعبي والدولي يمكن أن يخرج الحصار من مربعه المريح وفي هذا نجح أسطول الصمود والتجارب التي سبقته إلى حد كبير على اعتبار هذه الطروحات حول العقيدة الأمنية الإسرائيلية فإن استقراء حالة الحرب الطويلة على غزة سيظهر أنها الوضعية التي تتيح للإسرائيلي تفعيل العناصر الثلاثة في نفس الوقت وإلى أبعد حد ليس للقتل فحسب ضوء أخضر بل للإبادة الجماعية أيضا تصريح وسنفهم أن إطالة الحرب ليست فقط كي يطيل نتنياهو حياته السياسية كما تسوق المعارضة الإسرائيلية بل لأنها تمثل فسحة لجيش الاحتلال حتى يسجد على الأرض بواطن العقيدة الأمنية الإسرائيلية وإن ثلاثية قتل تهجير حصار التي تبدو ظاهر الأمر مخصوصة بغزة ردا على عملية السابع من أكتوبر ما هي إلا سياسة ثابتة إسرائيليا لكن بدرجات متنوعة بعضها غير مرئي يمتد منهج عكس الحصار على الخارج إلى ما هو أبعد من خريطة فلسطين بداية أينما تصل قنابل إسرائيل يصل حصارها ثم إن ما لا تقدر تل أبيب على حصاره ينوبها فيه حليف واشنطن أو لندن أو نيودلهي أو حتى المنظومة الدولية بشكل عام منها أزمات التنمية والديون التي تلاحق عدة بلدان عربية إلى ذلك الحصار المضروب رمزيا عبر صور نمطية تلصق بالعرب عبر الميديا من الإعلام إلى السينما وبشكل أوسع فإن تكلفة عدم فك حصار غزة باهظة الثمن عربيا إذ يعني أولا استمرار سياسات عدوانية موجهة للعرب ثم لأن أي ترتيب لشرق أوسط جديد التتويج الذي تتمناه حكومة نتنياهو لهذه الحرب بخسائرها الضخمة على إسرائيل لن يكون غير حصار أكثر إطباقا على المنطقة العربية nbsp فإذا كان الأمر كذلك أصبح من المهم بمكان أن نتدبر في سؤال كيف تكسر الحصارات في أن الحصار ليس قدرا بل نفق له نهاية حصارات عديدة بدت مستحيلة الكسر وانتهت دون تحقيق المأمول منها لم يتوقع أحد أن تفلت لينينغراد من السقوط في يد الألمان من 1941 إلى 1943 خصوصا مع الإصرار الجنوني لهتلر على سحق المقاومة السوفييتية والروح المعنوية فيها وسيتبين أن ذلك الإصرار تحديدا سبب انهياره هو وجيشه ومجمل طموحات الرايخ الثالث بعد أشهر قليلة نظرة عابرة تظهر أن التاريخ لا يذكر عمليات عسكرية عديدة نتج عنها فك حصار من الداخل تكسر الحصارات عادة من الخارج مع ظهور دعم يفكها بالقوة مثل استنفار جان دارك للفرنسيين في حصار أورليان أو حين تحدث متغيرات تقلب المشهد الأوسع للحرب كحصار عدة مدن روسية خلال الحرب العالمية الثانية إضافة إلى احتمال تراكم الأخطاء في معسكر المحاصرين ولقد خسرت إسرائيل خلال هذه الحرب بسبب تهور قادتها أكثر من نصير سبق وأن كان جزءا من حصار غزة وفلسطين عموما كما هو الحال مع الدول الأوروبية وقبل ذلك خسر الاحتلال تحالفات ثمينة عقدت بهدف قلب الحصار المضروب عليه حين انغرز في المنطقة العربية إلى حصار ضد العرب فحرص على علاقات متقدمة مع إيران زمن الشاه حتى 1979 أو مع تركيا قبل العدالة والتنمية في جميع الحالات ليست الإطالة في مصلحة القوة المهاجمة وحده الحسم السريع يبقي التحالفات ويغذيها لكن ما الذي يضمن عدم الإطالة وبلوغ الحصار لأهدافه الاستسلام فقط يحقق ذلك وبذلك فإن الصبر أهم أسلحة المحاصرين فضلا عن القدرة على الضبط الداخلي بما يتيح نفسا طويلا في المواجهة وقدرات على المناورة الاتصالية لنقل الرسائل إلى الخارج طلبا للنجدة ولسيناريوهات النجدة تهيأت إسرائيل منذ أنشئت أي حتى قبل أن تصبح سياسات الحصار منهجية على ما هي عليه اليوم وقد نجحت إسرائيل في مرحلة أولى بصد هذه النجدة حرب 1948 بل عكستها لمصلحتها فكان من مخرجاتها إعلان الدولة العبرية التي بات من أولوياتها تعطيل كل نجدة عربية لاحقة وتم ذلك عبر تشكيل بيئة إقليمية مليئة بالتناقضات بين الأنظمة والشعوب وبين الأنظمة في ما بينها وهي بيئة لم تصغها إسرائيل من الألف إلى الياء ولكنها اعتمدت على رياح مواتية في السياقات الدولية ذات الرياح التي ألقت باليهود الأشكناز في المنطقة بحيث خدمت أغراضها من ناحية عدم التضييق عليها كلما انتقلت بالحصار على الفلسطينيين إلى درجات أعلى من الوحشية والغطرسة وقد تجد دعما غير متوقع في هدف من أهدافها مثل حصار غزة تحديدا مع الطرف المصري فعليا بدأ الحصار الذي نتحدث عنه منذ إغلاق مصر معبر رفح في 2007 كانت لغزة محاولات في كسر الحصار من الداخل نتذكر مسيرات العودة التي بدأت في 2018 واستمرت لأكثر من عام وكان المشاركون فيها يصلون إلى الجدران الفاصلة بين قطاع غزة والأراضي المحتلة ويواجهون رصاص جنود الاحتلال لم تحقق المسيرات نتائج ملموسة لكنها نجحت في إطلاق رسائل أقلها التذكير بحصار غزة وقد تجاوز عمره العشر سنوات كما فعلت مسألة حق العودة بما هي ضغط على إسرائيل فالمتظاهرون من سكان غزة كانوا يذكرون بأنهم لاجئون من قرى هجر منها أجدادهم في 1948 لم تغير تلك الحركة الرمزية كثيرا في واقع الفلسطينيين داخل القطاع وقد نظر إليها كمحاولة من حماس لتحسين شروط الحصار لا غير لكنها حين تقرأ إلى جانب عملية طوفان الأقصى وخصوصا مع الاستمرار فيها حتى بعدما فقدت زخمها ستبدو جزءا من خطة الخداع الاستراتيجي التي أوصلت إلى السابع من أكتوبر ليس حصار غزة غير فصل جديد من تاريخ طويل من الحصارات التي عرفتها المنطقة وحين نذكر فصولا أساسية من هذا التاريخ كظهور الإسلام وصعود دوله المتتالية أو الحروب الصليبية أو فصل الاستعمار الأوروبي هل يمكن ذلك دون تقاطع بمفهوم الحصار بدلالاته الضيقة وفق التعريفات العسكرية حصار المدن أو الأكثر اتساعا حصار الأمم فماذا لو قرأنا تاريخنا من زاوية الحصار لقد تشكل حول عرب الجزيرة حصار غير مخطط له حين تمددت حولهم إمبراطوريات الفرس والروم والحبشة فلما تهيأت مقومات الأمة مع ظهور الإسلام لم يكن من الممكن دخول الزمن التاريخي دون كسر الطوق المضروب بالحرب أو بالسياسة ويمكن النظر إلى ما سمي بالفتوحات الإسلامية على أنها محاولة لاستمرار حالة فك الحصار عن العرب إلى أبعد مدى وقد سخرت لذلك معارف الأمم التي تمت على حسابها عملية التمدد ومن ثم تسابقت دول الإسلام من الأموية إلى العثمانية في المضي قدما حتى انقلب الأمر عشية القرن الخامس عشر فبدا أن التمدد العربي الإسلامي بات يشكل حصارا على أمم أخرى يمكننا عند هذه اللحظة التاريخية تغيير زاوية النظر فمن منظور أوروبي كان العثمانيون يتقدمون شرقا ولا يزال للمسلمين حضور في إسبانيا أما البحر الأبيض فهو تحت سطوة دويلات الإسلام في الضفة الجنوبية للمتوسط كان هذا الوضع حصارا يمنع أوروبا من التجارة البحرية فبضائعها تمر وجوبا من أراض وبحار تحت سيطرة المسلمين ونعلم نحن الذين عشنا لاحقا أن هذا الوضع قد منع الأوروبيين من كل ما سيأتي لاحقا من ثورات في العلم والسياسة ثم الاندفاع كغزاة صوب قارات الأرض ولقد دفع بهم الوعي بهذا الحصار إلى البحث عن منافذ جديدة يطلون منها على العالم وصار إيجاد طريق إلى الهند لا يمر عبر الشرق العربي هاجسا أدى إلى حركة الاستكشافات الكبرى مع كولومبس وفاسكو ديغاما وأميرغو فاسبوتشي وما هي إلا نتيجة لتخصيب العقل الأوروبي بالمعرفة الجغرافية التي حفرت طويلا حتى وجدت سبيلا لفك الحصار العربي الإسلامي تحتاج الحصارات إلى هذا النوع من المعرفة المغامرة كي تسقط وإلى مقامرات فكرية حتى يسلب المحاصرون مقومات القوة التي اطمأنوا إليها ستضيء المعرفة مشهدا واسعا ينبغي أن يقرأ كي تفهم السياقات وتسخر لإحداث تغيير وبما أن وراء أي حصار توجد بنية مركبة من الدعم والتواطؤ فمن الوجيه تفكيكها أو تعريضها للتهرئة على الأقل قبل دخول المراحل العملية من مشروع فك أي حصار كلما اشتد الحصار إلا وازداد لزوم التفكير في مخارج ومنافذ مبتكرة وحفر أنفاق من الداخل إلى الخارج ومن الخارج إلى الداخل وصولا إلى النور nbsp أسطول الصمود يفعل جغرافية التضامن البحر ضد البر والجو إجراء الثنائية المفاهيمية حصار فك حصار على التاريخ يقودنا إلى لحظة أسطول الصمود وهو يشق طريقه عبر مياه المتوسط نحو غزة فما نشهده لا يفهم محاولة لنقل مساعدات إنسانية فقط بل تجسيدا عمليا لفلسفة مختلفة في مقاربة مسألة كسر الحصارات اختيار البحر مسرحا لهذه العملية يطرح تساؤلات جوهرية حول العلاقة بين السيادة والتضامن في الزمن المعاصر وحول إمكانية وجود مساحات للفعل الإنساني خارج منطق الدولة الحديثة ومصالحها أي في المياه الإقليمية منذ فجر التاريخ مثل البحر مساحة مختلفة عن اليابسة في علاقتها بالسلطة والسيطرة حتى حين ادعت الإمبراطوريات العظمى السيطرة على البحار كما فعل الرومان مع المتوسط الذي أطلقوا عليه بحرناnbsp Mare Nostrum ظل البحر محتفظا بطابعه كمجال للحركة والتبادل يصعب إخضاعه كليا للقيود المفروضة على الأرض هذا ما جعل طرق التجارة البحرية عبر التاريخ تتجاوز الحدود السياسية وتخترق أنظمة السيطرة وما جعل البحر رمزا للحرية النسبية مقابل صلابة السيادة على اليابسة في العصور الوسطى تطور هذا المفهوم ليصبح أكثر تبلورا في القانون البحري فقد أقرت معظم الثقافات القانونية مبدأ حرية البحار قبل قرون من صياغته الحديثة في القانون الدولي وإن بصور مختلفة الحضارة الإسلامية في الأندلس طورت مفاهيم قانونية تعترف بالبحر كمساحة مشتركة للإنسانية لا يمكن لسلطة واحدة أن تدعي ملكيتها الكاملة عليها هذا التراث التاريخي يلقي ضوءا على الدلالة العميقة لمشهد سفن أسطول الصمود وهي تشق طريقها نحو غزة إنها تستدعي ربما دون وعي هذا التقليد الإنساني الطويل الذي يرى في البحر مساحة للتضامن تتجاوز حسابات الدول وصراعاتها nbsp في المقابل يمكن فهم الرفض الشعبي الواسع لمشهد الطائرات التي ألقت مساعدات على غزة من الجو تعبيرا عن إدراك عميق لهذا التمايز بين البحر والجو فالطائرة تتحرك في مساحة تخضع بالكامل لسيادة الدول وموافقاتها بينما تتحرك السفينة في فضاء يفترض أنه أكثر حرية من هذه القيود السخط الذي رافق مشهد الإسقاط الجوي للمساعدات لم يكن عبثيا بل نابعا من شعور بأن هذه العملية مرتبطة حكما بحسابات الدول وموافقة إسرائيل مما يجعلها امتدادا للحصار وليس كسرا له هذا التمايز في الوعي الشعبي بين البحر والجو يعكس تطورا مهما في تاريخ السيادة فبينما نجحت الدول الحديثة في إحكام سيطرتها على الأجواء بشكل شبه كامل خلال القرن العشرين ظل البحر محتفظا بشيء من طابعه كمساحة للحركة الحرة هذا ما جعل الطائرة رمزا للقوة والسيطرة فيما بقيت السفينة خاصة في سياق التضامن رمزا للحرية والمقاومة تاريخ المقاومة البحرية الفلسطيني من سفينة العودة التي فجرتها الاستخبارات الإسرائيلية في قبرص عام 1988 إلى سفن أسطول الصمود اليوم يؤكد هذا الطابع الرمزي للبحر كمساحة لمحاولة تحقيق العدالة في السياق الفلسطيني يكتسب البحر دلالة إضافية كونه يمثل الحدود الطبيعية الوحيدة لفلسطين التي لم تمزق بالجدران والحواجز والمستوطنات رغم سيطرة إسرائيل على المياه الإقليمية الفلسطينية يبقى البحر أقل تشويها من الجغرافية البرية التي شوهها الاحتلال لذلك يحمل وصول سفن التضامن عبر البحر رسالة رمزية عن إمكانية الوصول إلى فلسطين الأصلية تلك التي لم تشوه بالكامل والتي تحتفظ بشيء من هويتها الطبيعية قبل الاحتلال من هنا تتجاوز دلالة أسطول الصمود خصوصية الحالة الفلسطينية لتطرح نموذجا أوسع حول إمكانيات بناء جغرافية بديلة للتضامن خارج إطار الدولة الحديثة في عالم تهيمن عليه السيادات الوطنية وتحكمه معادلات القوة والمصلحة يتحول البحر إلى رمز لما يمكن تسميته جغرافية التضامن أي فضاء يمكن للضمير الإنساني أن يتحرك فيه بمعزل نسبي عن قيود البنية السياسية المهيمنة لكن هذه الجغرافية التضامنية لا تقتصر على المساحة المادية للبحر بل تمتد إلى أشكال أخرى من الجغرافية غير المرئية التي تتيح قلب الحصار إلى حصار مضاد فإذا كانت إسرائيل تحاصر غزة ماديا فإن أسطول الصمود ومن خلفه حركة تضامن عالمية ينجح في محاصرة الرواية الإسرائيلية حول الحرب وتفكيك شرعيتها الأخلاقية فبفضل تكنولوجيا التواصل الحديثة تمكن النشطاء من خلق زخم إعلامي يتجاوز الحدود والرقابة ومن نقل صور الدمار في غزة إلى ملايين الشاشات حول العالم مما يخرق الحصار الإعلامي الذي تسعى إسرائيل لفرضه هذا النوع من المقاومة يشكل حصارا مضادا حول الرواية الصهيونية لكنه مرة أخرى حصار خارج حدود السيادة حصار ينطلق من الشعوب ويعود إليها ليس صدفة إذا أن يضم أسطول الصمود نشطاء من خلفيات متنوعة بيئيين يحاربون تدمير الكوكب ونسويات يقاومن الأنظمة الذكورية وحقوقيين يدافعون عن العدالة الإنسانية ومناهضين للعولمة النيوليبرالية التي تحول كل شيء إلى سلعة هذا التنوع يكشف طبيعة النضال الذي يمثله الأسطول فهو ليس مجرد اعتراض على سياسات دولة بعينها بل مقاومة لمنظومة شاملة من الهيمنة تتجاوز الحدود الوطنية وتطاول الاقتصاد والسياسة والثقافة هنا يتحول التضامن من مجرد دعم لشعب محدد إلى نضال أممي من أجل العدالة ذاتها جميع هؤلاء يدركون أن ما يحدث في غزة ليس صراعا محليا بل تجل مكثف لأزمة النظام العالمي المعاصر وأن كسر حصار غزة يصبح بهذا المعنى رمزا لكسر كل أشكال الحصار التي تفرضها أنظمة الهيمنة على الشعوب والطبيعة والعدالة في كل مكان تكشف هذه القراءة المتأنية لأسطول الصمود عن تناقض مركزي يشكل جوهر الصراع في فلسطين كيان استعماري نشأ على هواجس حصاره المفترض فتحول إلى أكبر محاصر وشعب محاصر يبتكر باستمرار طرقا لعكس الحصار وتحويله إلى أداة مقاومة هذا التناقض لا يقتصر على الجغرافية المادية بل يمتد إلى المعركة على المعنى ذاته من يملك تعريف ما هو الحصار ومن يملك أدوات كسره وكيف تتحول جغرافية السيطرة إلى جغرافية تحرر أسطول الصمود بكل ما يحمله من دلالات رمزية ومادية يقدم إجابة جزئية عن هذه الأسئلة الحصار لا يكسر بذات المنطق الذي فرض به بل بمنطق مختلف تماما يتجاوز حسابات الدول ويعيد تعريف التضامن كفعل أممي خارج السيادة إن ما فعله الأسطول سواء وصل إلى شواطئ غزة أم لا هو أنه أعاد طرح السؤال الأساسي في زمن هيمنة الدول وسيطرتها شبه الكاملة على الجغرافية والجو أين تكمن المساحات الممكنة للمقاومة وقد أجاب بأن هذه المساحات موجودة في كل مكان لم تنجح الدولة في السيطرة عليه المياه الإقليمية بوصفها جغرافية مادية والإعلام الشعبي بوصفه جغرافية شعبية والتضامن الأممي بوصفه جغرافية سياسية بديلة

ارسال الخبر الى:

ورد هذا الخبر في موقع العربي الجديد لقراءة تفاصيل الخبر من مصدرة اضغط هنا

اخر اخبار اليمن مباشر من أهم المصادر الاخبارية تجدونها على الرابط اخبار اليمن الان

© 2016- 2026 يمن فايب | تصميم سعد باصالح