أزمة الحقيقة في مواجهة التضليل الرقمي
أزمة الحقيقة والتضليل الرقمي من أبرز القضايا المعرفية المعاصرة؛ لأنها لا تتعلق بانتشار الأخبار الكاذبة، بل تمسّ قدرة الأفراد والمجتمعات على التمييز بين الدليل العلمي والرأي، وبين المعرفة المستقلة والمعلومات الموجّهة للتأثير والتلاعب في السلوك والوعي. ويقدّم تقرير الفريق الدولي المعني ببيئة المعلومات مدخلاً مهمّاً لدراسة هذه الظاهرة؛ إذ يستند إلى استطلاع شمل 470 خبيراً في 71 دولة، ويرصد المخاطر التي تهدّد بيئة المعلومات، وأدوار المنصّات الرقمية والذكاء الاصطناعي، والتحدّيات التي تواجه إنتاج المعرفة الموثوقة.
طبعاً لا تعني الأزمة أن الحقيقة لم تعد موجودة، أو أن كل المعلومات أصبحت كاذبة؛ بل تعني أن الوصول إلى الحقيقة أصبح أكثر تعقيداً، ففي أي لحظة، تستطيع أن تفتح هاتفك وتجد آلاف الإجابات لسؤال واحد، وأن تنتقل بين روايات متناقضة للحدث نفسه، وأن تشاهد صورة أو مقطع فيديو يثبت أو ينفي واقعةً ما. ومع ذلك، قد ينتهي بك الأمر إلى حيرة أكبر مما كنت عليه قبل أن تبدأ بحثك.
هذه مفارقة تستحق التوقف والتأمل، فقد أمضت البشرية وقتاً طويلاً تجهد وتبحث لتطوير مسارات الوصول إلى المعرفة، وتجاوز مفهوم احتكار (أو نخبوية) المعلومة والكتب والوثائق والخبرات. واليوم، بعدما أصبحت المعلومات متاحة على نطاق غير مسبوق، نواجه مشكلة مختلفة: كيف نعرف الحقيقي منها والجدير بالثقة.
المعلومة لا تصبح معرفة لمجرّد أنها متاحة، والحقيقة لا تكتسب قوتها من عدد مرّات تداولها
من خلال عملي رئيساً لفريق الأمم المتحدة لتقنية المعلومات والاتصالات والتنمية، أدرك تماماً أن الوفرة الرقمية قد تكون فرصة غير مسبوقة لتوسيع المعرفة الإنسانية، لكنها لن تحقق هذا تلقائيّاً، فالمعلومة لا تصبح معرفة لمجرّد أنها متاحة، والحقيقة لا تكتسب قوتها من عدد مرّات تداولها. إنها تحتاج إلى دليل، وسياق، ومؤسّسات قادرة على التحقّق، وجمهور لا يكتفي بالسؤال عما إذا كانت الرواية توافق قناعاته، بل يسأل أيضاً إن كانت تصمد أمام الفحص.
الإنترنت بداية أتاح الوصول إلى أبحاث علمية ومصادر تاريخية وبيانات كان الاطّلاع عليها بشق الأنفس. ويكفي أن نتذكّر كيف كنا نجهد في البحث والتوثيق، قبل
ارسال الخبر الى: