أحمد طه عدو عمره وابن ساعته
لا يميل أبداً إلى الحكمة من أي نوع، فهو يهشمها لمصلحة ساعته، يهشمها لمصلحة طريقته في الحياة، يهشمها لمصلحة اختياراته التي تجعله فجأة، من أجل صورة شعرية لديه عن الوطن، يترك الجامعة قبل أن يكملها، ويتطوع مجنداً في الجيش بكامل إرادته، ويمكث فيه لسنوات ست حتى يخرج في 1975، ويرفض حتى هدية الجيش (الوظيفية)، موظفاً في أحد الأجهزة التي كان يهفو إليها في وقتها وما زالوا الناس من كل صوب وحدب، مفضلاً أن يواجه الحياة بصدره العاري، ويتنقل من عمل لآخر وفق كامل إرادته.
كان الشعر هوسه، والقراءة الحرّة بلا أي ضغوط استثمارية لنيل شهادة هي تسليته وهمه، وشبه مملكة تخصّه وحده ولم يحاول أن يعرف لها أي سبب، والفعل الثقافي كزعيم في الظل والعلن أيضاً هو ميزته التي جعلته، لقبوله بالطبع، والقبول هدية من الله، وبعفويته، وبتهشيمه لأي حرص أو خوف أو تحوط، علّه اكتسب كأبناء شبرا؛ من الجيش وخبراته في سلاح المدرعات ثم المركبات ثم تعامله مع الروس كل أسلحته التي يجابه بها الحياة لاعباً خفيفاً ومحظوظاً، فكيف استطاع هذا الكائن أن يفلت من كل تلك المهارات ويظل مخلصاً للشعر والمعرفة عامة، لا كقوّال تتوالد في أدراجه الدواوين تترا، ولكن كفاعل شعري داخل بنية الجماعات الشعرية في مصر في السبعينات وما بعدها، وكمشاكس لكل القامات دون كآبة أو عزلة أو حتى منفعة، اللهم إلا حظه المكتوب، شاعر شغوف بالنثر أو السرد واختبأ وراء الشعر من دون الاكتفاء بقوله أو اكتنازه في دواوين، بل بفعله في كل خطواته ومراحله، وهو ابن الهامش الذي جاء للشعر من شبرا مصر على مقربة من خلوصي ومحطة مصر.
كان بيت أحمد طه، حتى في تنقلاته من مكان إلى آخر، أشبه بمحطة مصر الثقافية ليس كصاحب صالون سنوات، ولكن كمضياف بسيط محب وجسور أيضاً، من بيوته يدخل الضيوف كأدونيس، ومستجاب، ويحيى الطاهر عبد الله، وسيد يس، وغيرهم، ويظل هو الطوّاف المحبوب من أميركا لشبرا للهرم.
يظل أحمد طه فعلاً ثقافياً، حينما يحب، يفيض قلبه
ارسال الخبر الى: